فحسب. فأفلَ هناك واعظُ الأمة الحر غير الموبتق، ومحدثها المتسع الأفق الذي يتعامل بعقلية راشدة متزنة، وفهم ثاقب غير مختل، وينطلق من قاعدة ثابتة لا تعرف التأرجح والتلون. بعيدًا عن الإملاءات الخاطئة، والولاءات الصغيرة، والفهم السطحي العقيم.
وهذا التقوقع والتحلق في الحلقات الضيقة من شأنه أن يصعّب على المتلقين أن يجدوا المتكلم العدل الحصيف الواعي الذي يجمع ولا يفرق، ويلم ولا يبدد، ويعرف خير الخيرين وشر الشرين.
إن هذا المرض الخطابي الخطير أنشأ جمهورًا متشتتًا حتى صار عند بعضهم قناعة أنه لا يؤثر فيه إلا من ينتمي إلى مشربه الفكري أو السياسي، أو الفئوي، فإليه يِرد، وعنه يصدر، ولا يسمع لغير صاحبه، فإذا سمع فلتصيد الأخطاء ولو بالمناقيش، أو يسمع سمعًا عابرًا يملأ الأسماع ولا يصل إلى القلوب. والتعصب يعمي ويصم، كما قال دريد بن الصمة:
ومَا أنَا إلا من غَزِيَّةَ إنْ غوَتْ ... غويْتُ وإنْ تَرشُدْ غزَّيَةُ أرشُد
وضعف التأثير عند بعض الملقين حينما لم يكن لدى بعضهم همٌّ كبير لهداية الناس، وحرص على انتشالهم من الخطيئة والسفول. فأين هذه الحال من حال الداعي الأول في الأمة صلى الله عليه وسلم الذي قال عنه ربه: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة:128] .
فالحريص المخلص تخرج كلماته مكسوة بحلل الشفقة تحمل ألفاظها روحًا ورِّيًا يلامس القلوب فيرويها بعد ظمأ، ويجلوها بعد صدأ.
والعتاب ليس منصبًا على الملقي فحسب، بل للمتلقي حظ وافر في ضعف التأثر أو عدمه، فلو وُجد الملقي المكتملُ الآلة العلمية والخطابية، الحريصُ المخلص في حديثه فقد لا يجد له المتلقي المتقبل، فيكون كالذي يلقي حبه في أرض سبخة، فهنا نعترف بوجود حواجز لدى المتلقين، تحول بينهم وبين الاستفادة مما يُلقى عليهم؛ كقلة الاهتمام بالدين وخطابه؛ لانشغال القلب بهموم الدنيا، وقلة اليقظة إلى تصحيح ما يعوج من طريقهم إلى الله تعالى، فلو حضروا جمعة فحضورهم عادة وقتية أسبوعية، لا عبادة ربانية تحتاج إلى التهيؤ والاستعداد، والإصغاء للفهم والعمل.
ولتلافي هذا القصور بالنسبة لحاملي الكلمة؛ لكي تبلغ مداها، وتصل إلى مبتغاها نحاول هنا إبراز بعض المعالم المهمة التي يمكن أن تكون نبراسًا- بعون الله- في طريق النجاح ومرتقى إلى الإحسان المرتجى. فعلى المتحدث الذي يروم أن يكون لكلامه وقعٌ حسن في القلوب، وأثر صالح في العمل أن يقوم بإحسانين: إحسان داخلي، وإحسان خارجي: