وخفيها، قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [سبأ:3] .
فمن علمه تعالى: أنه يعلم أعمال عباده: طاعاتها ومعاصيها، قال تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المجادلة:6] .
وبناء على هذا العلم المحيط بكل شيء: دعا عباده المذنبين إلى الاستغفار والتوبة من الذنوب التي أحاط بها علمًا؛ ليغفرها لهم فضلًا منه وكرمًا.
وفي الحديث بيان صفة رحمة الله تعالى التي لولاها لهلكَ عبادُه أجمعون، فهو الرحيم الرحمن الذي وسعت رحمته كلَّ شيء، فبها خلَقهم، وبها رزقهم، وبها أرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، وبها أسبلَ عليهم النعم، ودفع عنهم النقم، وبها أدخل صالحيهم الجنة، ونجّاهم من النار، فسبحانه من إله رحيم، رحم عباده وهو قادر عزيز!.
فلذلك دعاهم في هذا الحديث إلى استغفاره؛ حتى يغفر لهم خطاياهم التي لو لم تُغفر لأهلكتْهم، فاللهم هب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
وفي الحديث الكريم بيان صفة حلم الله تعالى، الذي يحلم على عباده المذنبين عن قدرة وكرم، لا عن ضعف وعجز، فلم يعاجلهم بالعقوبة، بل أمهلهم؛ لعلهم أن يتوبوا ويرجعوا عن غيهم، قال تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا} [فاطر:45] .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى؛ إنهم يجعلون له ندًا، ويجعلون له ولدًا، وهو مع ذلك يرزقهم، ويعافيهم ويعطيهم) ! [1] .
فمن حلمه: أنه دعا عباده -إذا عصوا- أن يستغفروه ويتوبوا إليه.
وفي الحديث: بيان صفة مغفرة الله ذنوبَ عباده، فهو عز وتعالى الغافر الغفور الغفار، يغفر ذنوب المذبين، ويستر على عباده العاصين؛ ولذلك يخبرهم بهذه الصفة العظيمة فيقول: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الحجر:49] . ويدعو المسرفين على أنفسهم بالخطايا أن يتركوها، ويدعوا القنوط من غفرانه، ويقبلوا تائبين إليه منيبين وسيغفر لهم، فقال:
(1) رواه مسلم.