فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 309

ومَن يَغتَرّ في الدّنيا بعَيشٍ ... فقد طلبَ الشرابَ من السراب

أيها المسلمون، فينتقل الميت بعد ذلك إلى المغسلة؛ ليتم تغسيله وتكفينه؛ ليقدم على الله تعالى طاهرًا.

وغسل الميت المسلم واجب كفائي على الأحياء إذا قام به بعض المسلمين سقط الإثم عن بقيتهم. ويغسل الرجال الرجال، والنساء النساء، إلا الزوجين فيجوز أن يغسل أحدهما الآخر. وغسل الميت من الأعمال الصالحة التي فيها أجر عظيم، ولكن بشروط:

أولاها: أن يكون الغاسل مخلصًا لله في ذلك العمل، وثانيها: أن يكون ذا معرفة بالكيفية الصحيحة لغسل الميت، وثالثها: أن يكون أمينًا على ما يرى من الميت من العيوب الجسدية فيسترها ولا ينشرها.

قال رسول صلى الله عليه وسلم: (من غسل مسلمًا فكتم عليه غفر له الله أربعين مرة، ومن حفر له فأجنّه أجري عليه كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة، ومن كفنه كساه الله يوم القيامة من سندس واستبرق الجنة) [1] .

وينبغي أن يكون التغسيل في مكان مستور، ولا يحضر مع المغسل إلا من يحتاج إليه.

وكيفية التغسيل: أن يبدأ المغسل بوضع الميت فوق مكان مرتفع ويجرده من ثيابه، وأن يضع على عورته من الثياب ما يسترها، وأن يلف الغاسل على يده خرقة غليظة يمسح عورته بها بعد أن يعصر بطنه عصرًا خفيفًا؛ لإخراج الفضلات، وأن يوضئ الميت وضوءه للصلاة، ويمسح أنفه وأسنانه وشفتيه مسحًا رقيقًا، ثم يغسله بالماء والصابون ثلاثًا أو خمسًا بدءً بالجنب الأيمن ثم الجنب الأيسر، ويكون في الماء طِيبٌ وسدر، ثم يعم الماء على جميع البدن ابتداء من الرأس، ثم ينشفه بعد التغسيل. فإن كان الميت امرأة مضفورة الشعر فتفك الغاسلة ضفائرها، ثم بعد الغسل تضفر شعرها ثلاث ضفائر، وتلقيها خلفها.

ويستحب لمن غسل الميت أن يغتسل بعد ذلك.

فإذا كان الميت سقطًا فينظر: إن كان ابن أربعة أشهر فصاعدًا فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه ويقبر؛ لأنه قد صار نفسًا بنفخ الروح، وإن كان قبل أربعة أشهر فلا يغسل ويقبر على حالته.

أيها الإخوة الفضلاء، تأملوا في الإنسان الذي كان يأمر وينهى، ولا يتحرك إلا بإرادته، كيف صار في مغسلة الموتى يحركه الغاسل كما يشاء، ويقلبه كما يريد، إن في ذلك لعبرة في بيان ضعف الإنسان وعجزه، وفي بيان أن لقدرته وقوته وإرادته وسلطانه مدة محدودة، وزمانًا تنتهي فيه.

عباد الله، وبعد التغسيل تزال الثياب التي غطت عورته من غير نظر، ثم يكفن. ويصح التكفين بكل ثياب تستر جسد الميت، ولكن البياض إذا توفر فهو أحسن. ويستحب إحسان الكفن وتبخيره وتطييبه. ثم يجهز الميت للصلاة عليه ولتشييعه وموارته في المقبرة.

هكذا-يا عباد الله- يأخذ الإنسان من دنياه كلها كفنًا ويمضي إلى الحساب على أعماله وأمواله في مدة عمره في الدنيا، فهل أخذ في ذلك الكفن مالًا أو قصرًا أو جاهًا أو شيئًا مما كان يتمتع به في الدنيا؟.

أين الثيابُ التي قد كنتَ تلبسُها ... وأينَ مالُك في أيامِك الأُوُل

(1) رواه البيهقي والحاكم، وهو صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت