فاعلموا-عباد الله- أن الله تعالى جعل للإنسان بعد خروجه من بطن أمه ثلاثة دور: دار الدنيا-وهي دار العمل-، ودار البرزخ-وفيها بعض جزاء العمل، ودار الآخرة-وفيها تمام الجزاء، والاستقرارُ في دار الخلود إما في الجنة وإما في النار.
وقد جعل الله تعالى من إكرام الإنسان إذا مات: مواراته في التراب الذي كان أصلَه الأول، قال تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه:55] . ففي التراب: يُحفظ بدن الإنسان من السباع، وفي التراب يسلم الناس من رائحة بدن الميت؛ لأن في التراب خاصية تجعل البدن يبلى فلا تبقى إلا العظام، ومع تطاول الزمن تلحق العظام بالبدن.
غير أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، وبعض الصالحين من أتباعهم كبعض الشهداء في سبيل الله تعالى، فللأنبياء والشهداء حياة خاصة في القبور غير الحياة المتعارف عليها في الدنيا. قال تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران:169] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام) [1] .
وقد ورد أن بعض شهداء أحد أُخرجوا بعد مرور عشرات السنين فوجِدوا كما دُفنوا، وإن الدم ليسيل من بعضهم. إلا هناك شيئًا لا يبلى من بدن الإنسان عمومًا، وذلك الشيء هو عظم صغير في ظهره يقال له: عجْب الذنب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجْب الذنب، منه خُلق، ومنه يرُكّب الخلق يوم القيامة) [2] .
أيها الأحبة الفضلاء، لقد اهتدى ابن آدم إلى طريق دفن الميت بفعل مخلوق أصغر منه، مما دلّه على ضعفه وعجزه؛ كي لا يتكبر على الله ويتباهى بقدراته. فقد ظل ابن آدم القاتل يطوف بأخيه المقتول لا يدري ما يفعل بجثته، حتى رأى غرابًا يبحث في التراب ليدفن غرابًا آخر. قال تعالى: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} [المائدة:31] .
أيها الإخوة الأكارم، إن الحياة البرزخية هي حياة من عالم الغيب لا يدركها أهل الدنيا، فكل من مات حصل له في القبور من النعيم أو العذاب ما كُتب له، وإن لم يرَ الأحياء ذلك، سواء دفن الميت في التراب، أم أكلته السباع، أم حُرِّق حتى صار رمادًا ونسف في الهواء، أم غرق في البحر، أم حفظ في وعاء بالتحنيط، أم غير ذلك، فأي ظرف استقر فيه فهو قبره.
(1) رواه أحمد وابن ماجه وأبو داود وغيرهم، وهو صحيح.
(2) رواه مسلم.