عباد الله، بعد أن يُقضى بين الخلائق في العرصات يساق أهل الجنة إلى الجنة فيمرون على الصراط مسرعين حسب أعمالهم في الدنيا، فيخلصون إلى مكان بين الجنة والنار فيبقون هناك حتى يقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، وتصفّى قلوبهم من أدواء الحسد والحقد والكراهية فيما بينهم، حتى إذا نُقّوا دخلوا الجنة، قال تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} [الحجر:47] .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالمَ كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدُهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا) [1] .
أيها المسلمون، ثم بعد ذلك يُساقون إلى الجنة وفودًا مكرمين، تحيط بهم السعادة من كل جانب، وتستقبلهم على أبواب الجنة ملائكة الرحمن تحييهم وتهنئهم بسلامة الوصول والنجاة من الدنيا وما بعدها. قال تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [الزمر:73 - 74] .
وقال: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} [مريم:85] ، وقال: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل:32] ، وقال: {سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد:24] .
وممن يستقبل المؤمن َ على أبواب الجنة: أولادُه الذين ماتوا قبل البلوغ في حياته فاحتسبهم وصبر عند مصيبته بهم، فعن قرة بن إياس رضي الله عنه أن رجلًا كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ابن له فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (تحبه؟ قال: نعم، يا رسول الله، أحبك الله كما أحبه، ففقده النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما فعل فلان بن فلان؟ قالوا: يا رسول الله، مات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبيه: ألا تحب أن لا تأتي بابًا من أبواب الجنة إلا وجدته ينتظرك؟ فقال رجل: يا رسول الله، أله خاصة أم لكلنا؟ قال: بل لكلكم) [2] .
(1) رواه أحمد، وهو صحيح.
(2) رواه ابن ماجه، وهو حسن.