فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 309

وكان في حياة هذا النبي الكريم محطات مهمة متنوعة تستدعي الوقوف عندها لأخذ العظة والعبرة؛ فإن دراسة حياة الأخيار دراسة تدبرية عميقة يعطي الدراسَ والسامع والقارئ أنوارًا تضيء طريق العبد إلى ربه تعالى، وحياة العظماء-بهداياتها وإضاءاتها- بعد موتهم أمدُّ منها قبل وفاتهم.

وكانت في حياتك لي عظاتٌ ... وأنتَ اليوم أوعظُ منك حيّا

عباد الله، في حياة نبي الله داود عليه السلام-مما ذكرنا في النصوص في الجمعة الماضية- دروس وعبر منيرة، في جوانب كثيرة من الحياة، فهناك دروس علمية، وهناك دروس سياسية، وهناك دروس قضائية، وهناك دروس عسكرية، وهناك دروس اقتصادية، وهناك دروس عامة أخرى.

فمن الدروس العلمية في قصة هذا النبي الكريم: بيان شرف العلم النافع وأثره الحسن في صلاح الحياة، سواء كان علم دين أم علم دنيا، فالعلم نور يشرق على جوانب الحياة الخاصة والعامة فيرى به صاحبُه السبل السوية فيسلكها، والأحوال المرضية فيأخذ بها، ونبي الله داود عليه السلام كان ممن جُمع له علم الدين والدنيا، فكان عالمًا بالشرع، وعالمًا بالسياسة، وعالمًا بالقضاء، وعالمًا بالصناعة، وغير ذلك.

ومن الدروس العلمية: شكر الله تعالى على نعمة العلم النافع، علم الدين وعلم الدنيا، فالشكر يزيد هذه النعمةَ ويبارك فيها ويحفظها، قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم:7] . ومن شكر العلم: استعمالُه فيما يرضي الله تعالى، كنفع الناس به، والاستعانة به على صلاح الدنيا والدين، وهكذا كان نبي الله داود مع ابنه سليمان عليهما السلام، قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ} [النمل:15] .

ومن الدروس العلمية: أن العلم نعمة من الله تعالى على صاحبه، وهبة سَنَية منه وحده، فليس باستحقاق العبد ولا بقدرته ولا بذكائه، وهذا يجعل ذا العلم متواضعًا، لا يرى لنفسه أيَّ موجب للكبر، بل يوجب عليه رد العلم إلى الله تعالى، قال تعالى: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} [ص:20] . وقال تعالى: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} [سبأ:10] ، وقال: {وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} [البقرة:251] .

ومن الدروس العلمية: أن الإعلان بالعلم والتحدث به، إن كان من باب الشكر والتحدث بالنعمة لا يعدّ مذمومًا، إنما المذموم إظهاره شهرةً أو رياء أو عُجبًا. ولهذا أظهر داود وسليمان عليهما السلام نعمة العلم على اللسان؛ شكرًا لله تعالى، قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ} [النمل:15] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت