وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:139] ، وقال تعالى: {وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} [النمل:70] .
وقال تعالى: {فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة:26] ، إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40] "، فالحزن هو بلية من البلايا التي نسأل الله دفعها وكشفها؛ ولهذا يقول أهل الجنة: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا} فاطر:34]، فحمدوه على أن أذهب عنهم تلك البلية ونجاهم منها، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ... ) . والمقصود: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الحزن مما يستعاذ منه؛ وذلك لأن الحزن يضعف القلب، ويوهن العزم، ويضر الإرادة، ولا شيء أحب إلى الشيطان من حزن المؤمن، قال تعالى: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [المجادلة:10] ."
فالحزن مرض من أمراض القلب يمنعه من نهوضه وسيره وتشميره، والثواب عليه ثواب المصائب التي يبتلى العبد بها بغير اختياره؛ كالمرض والألم ونحوهما، وأما أن يكون عبادة مأمورًا بتحصيلها وطلبها فلا، ففرق بين ما يثاب عليه العبد من المأمورات، وما يثاب عليه من البليات، ولكن يحمد في الحزن سببه ومصدره ولازمه لا ذاته [1] .
أيها المسلمون، إن من الخير للمسلم أن يبقى سعيدًا؛ لكي يكون طريقه إلى الله تعالى مشرقًا؛ فإذا أظلم بدجى الأحزان كان عليه أن يسعى إلى إزالة تلك الظلمات ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.
ومع تتابع الأحزان الخاصة والعامة وتواردها على قلب المسلم في أيامنا هذه حتى صارت كعقد منظوم انفرطت حباته واحدة تلوى الأخرى، فكلما تولى حزن ولِد مكانه حزن آخر أشد منه؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: (وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرَها بلاءٌ وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضًا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه) [2] .
ففي هذا الجو الملبَّد بغيوم الأحزان أقول: إذا لم يسعَ المسلم في معالجة أحزانه أو التخفيف من آثارها السيئة فإنها قد تمرضه أو تسلمه إلى أَسر الأمراض العقلية أو النفسية أو الموت، إلا أن يشاء الله.
فالعاقل يبحث عن الدواء قبل استفحال الداء.
(1) طريق الهجرتين (ص: 418 - 419) .
(2) رواه مسلم.