فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 309

مكروهًا؛ كمن سافر لغير مقصد فشغل في سفره عن العمل الصالح غير الواجب، وقد يكون السفر مباحًا؛ كالسفر لطلب الرزق.

عباد الله، إن حصول الإنسان على حاجاته، ونيلَه ما يبتغيه من أمور حياته في وطنه بين أهله وأقاربه نعمة عظيمة؛ لما في الإقامة بين الأحباب من الراحة، وجمعِ الشمل، وهدوء البال، وتمامِ العفة، وزوال أوجاع البُعد وحبِّ اللقاء. لكن الإنسان قد لا يبقى على ما يحب دائمًا؛ فقد يضطر إلى مفارقة محبوباته، وركوب صهوة السفر فرارًا بدينه؛ كما فعل الخليل إبراهيم عليه السلام، ورسولنا صلى الله عليه وسلم والمهاجرون من أصحابه، أو خروجًا لطلب العلم؛ كما فعل موسى في رحلته إلى الخضر عليهما السلام، وفعل غيره من أهل العلم من هذه الأمة، أو خروجًا لطلب الرزق؛ كما فعل ويفعل سائر الناس. يقول تعالى-ممتنًا-على الوليد بن المغيرة الذي أنعم الله عليه بنعم كثيرة ولم يشكرها، بل استمر في كفره، فكان منها: أن الله تعالى جعل أبناءه حضورًا معه في مكة لا يغيبون عنه، قال تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا} {وَبَنِينَ شُهُودًا} [المدثر:11 - 13] ، وقال تعالى-مبينًا ما في السفر من تعب- في قصة موسى مع الخضر: {فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} [الكهف:62] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته-أي: حاجته- من وجهه فليعجل إلى أهله) [1] ، قال النووي رحمه الله:"معناه: يمنعه كمالها ولذيذها-أي: النوم والطعام والشراب-؛ لما فيه من المشقة والتعب، ومقاساة الحر والبرد والسُرى والخوف، ومفارقة الأهل والأصحاب، وخشونة العيش".

وقد سئل الجويني رحمه الله: لمَ كان السفر قطعة من العذاب؟، فقال:"لأن فيه فراقَ الأحباب".

أيها المسلمون، ومع التعلق بالأهل والوطن، والمألوفات والسكن، إلا أن للسفر والتنقل بين الديار فوائد ومنافع تعود بالخير على روح العبد وبدنه وعقله، كان بعض الصالحين يقول:"سيحوا تطيبوا؛ فإن الماء إذا ساح طاب، وإذا طال مقامه في موضع تغير".

تنقَّلْ فلذاتُ الهَوى في التَّنقلِ ... ورِدْ كلَّ صافٍ لا تقفْ عندَ مَنْهل

ففي الأرضِ أَحبابٌ وفيها مناهلٌ ... فلا تَبْكِ من ذِكرى حبيبٍ ومنزل

(1) متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت