الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
أيها المسلمون، وصلَ عرشُ بلقيس بتلك السرعة بين يدي سليمان فأراد عليه السلام أن يختبر عقل الملكة كما اختبرت عقله، فأمر جنده بتغيير هيئات العرش وشكله؛ لتعرف: أهو عرشها أم لا؟، فلما جاءت سألوها: هل عرشك هكذا؟، فمن ذكائها أنها لم تقل: هو هو، ولم تقل: ليس إياه، وإنما قالت: كأنه هو، فلما شبهوا عليها في السؤال شبهت عليهم في الجواب، والله تعالى قد أعطى سليمان عليه السلام العلم والفطنة قبلها وجعله نبيًا من أنبيائه، وهذا غاية الفضل البشري، ثم إن هذه المرأة الصالحة لو تُركت لذكائها وعقلها الفاضل لاهتدت إلى الحق، ولكن صدها عنه البيئة الفاسدة التي عاشتها بين قومها المشركين فكانت مثلهم، ومازالت بلقيس تنظر إلى عظم ملك سليمان فتزداد قناعة بالحق، والدخول في الإسلام، حتى كان آخر مظاهر عظمة ملك سليمان: أن صحن قصره كان أملس من زجاج صافٍ والماء تحته يجري، فلما طلب منها دخول القصر ظنت ذلك ماء يجري تحت قدميها فكشفت عن ساقيها حتى لا يصيب الماء ثيابها حينما تخوضه، فأُخبرت أن ذلك ليس ماء، وإنما هو زجاج! فأدركت حينئذ كمالَ ما أعطى الله نبيه سليمان، واعترفت بظلمها لنفسها في بقائها في الشرك، فأعلنت الإسلام لله رب العالمين، رحمها الله تعالى، قال تعالى: {قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ} {فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ} {وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ} {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل:41 - 44] .
عباد الله، في هذه الخاتمة الحسنة لهذه القصة العظيمة: يتبين أثر البيئة الفاسدة على إفساد معتقدات الإنسان الصحيحة، وأن على الإنسان إذا تبين له الحق أن يترك المكابرة والعناد، وأن يستجيب للحق ويستسلم له؛ فإن ذلك خير له، وعلامة من علامات الخير فيه.
هذا وصلوا وسلموا على خير الورى ...