وَأَدُومَ، وَالْغَرْبِيُّ الْبَحْرَ الْمُتَوَسِّطَ. انْتَهَى بِنَصِّهِ، مَعَ اخْتِصَارٍ حُذِفَ بِهِ أَكْثَرُ الشَّوَاهِدِ، وَلَا حَاجَةَ لَنَا بِغَيْرِ الْأَخِيرَةِ مِنْهَا، وَهِيَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا.
فَقَوْلُهُ تَعَالَى: (كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) يُرِيدُ بِهِ مُوسَى مَا وَعَدَ اللَّهُ بِهِ إِبْرَاهِيمَ، يَعْنِي: كَتَبَ لَهُمُ الْحَقَّ فِي سُكْنَى تِلْكَ الْبِلَادِ الْمُقَدَّسَةِ، بِحَسَبِ ذَلِكَ الْوَعْدِ، أَوْ فِي عِلْمِهِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا كُلُّهَا تَكُونُ مِلْكًا لَهُمْ دَائِمًا، أَوْ لَا يُزَاحِمُهُمْ فِيهَا أَحَدٌ ; لِأَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِلْوَاقِعِ، وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ. فَاسْتِنْبَاطُ الْيَهُودِ مِنْ ذَلِكَ الْوَعْدِ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَعُودَ لَهُمُ الْمُلْكُ فِي الْبِلَادِ الْمُقَدَّسَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَيَحْسُنُ هُنَا أَنْ نَذْكُرَ نَصَّ التَّوْرَاةِ الْعَرَبِيَّةِ الْمَوْجُودَةِ الْآنَ فِي هَذَا الْوَعْدِ. جَاءَ فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ أَنَّهُ لَمَّا مَرَّ إِبْرَاهِيمُ بِأَرْضِ الْكَنْعَانِيِّينَ ظَهَرَ لَهُ الرَّبُّ (12: 7 وَقَالَ لِنَسْلِكَ أُعْطِي هَذِهِ الْأَرْضَ) وَجَاءَ فِيهِ أَيْضًا مَا نَصُّهُ (15: 18 فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ قَطَعَ الرَّبُّ مَعَ إِبْرَامَ مِيثَاقًا قَائِلًا: لِنَسْلِكَ أُعْطِي هَذِهِ الْأَرْضَ مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ نَهْرِ الْفُرَاتِ) وَهَذَا الْوَعْدُ ذُكِرَ فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ قَبْلَ ذِكْرِ وِلَادَةِ إِسْمَاعِيلَ، وَجَاءَ فِيهِ بَعْدَ ذِكْرِ وِلَادَةِ إِسْمَاعِيلَ لَهُ، وَوَعْدِ اللَّهِ بِتَكْثِيرٍ نَسْلِهِ، وَبِكَوْنِهِمْ يَسْكُنُونَ أَمَامَ جَمِيعِ إِخْوَتِهِمْ (17: 8 وَأُعْطِي لَكَ، وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ أَرْضَ غُرْبَتِكَ كُلَّ أَرْضِ كَنْعَانَ مُلْكًا أَبَدِيًّا، وَأَكُونُ إِلَهَهُمْ) فَهَذَا وَذَاكَ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ الْعَرَبَ أَوْلَى أَوْلَادِ إِبْرَاهِيمَ بِأَنْ يَكُونُوا أَوَّلَ مَنْ تَنَاوَلَهُمُ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ، وَالْوَفَاءُ الْأَبَدِيُّ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِهِ. وَالْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَتْ تِلْكَ الْبِلَادُ كُلُّهَا عَرَبِيَّةً مَحْضَةً.