وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَدْعُ لَهُمْ بَلْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ دَعَا، وَإِنَّمَا قَالَ"قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ إِلَخْ"تَسْلِيَةً لَهُمْ وَإِشَارَةً إِلَى الصَّبْرِ حَتَّى تَتَقَضَّى الْمُدَّةُ الْمَقْدُورَةُ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ"وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ".
وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ"بِالْمِنْشَارِ"بِنُونٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ شِينٍ مُعْجَمَةٍ مَعْرُوفٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِيَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ تَحْتٍ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ بَدَلَ النُّونِ وَهِيَ لُغَةٌ فِيهِ، وَقَوْلُهُ:"مِنْ دُونِ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ"وَلِلْأَكْثَرِ"مَا"بَدَلَ"مِنْ"، وَقَوْلُهُ:"هُوَ الْأَمْرُ"أَيِ الْإِسْلَامُ، وَتَقَدَّمَ الْمُرَادُ بِصَنْعَاءَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ وَاخْتَارَ الْقَتْلَ أَنَّهُ أَعْظَمُ أَجْرًا عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنِ اخْتَارَ الرُّخْصَةَ، وَأَمَّا غَيْرُ الْكُفْرِ فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِ الْخِنْزِيرِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ مَثَلًا فَالْفِعْلُ أَوْلَى، وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: بَلْ يَأْثَمُ إِنْ مُنِعَ مِنْ أَكْلِ غَيْرِهَا فَإِنَّهُ يَصِيرُ كَالْمُضْطَرِّ عَلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ إِذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْمَوْتَ فَلَمْ يَأْكُلْ" [1] ."
(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري