فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 1309

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: (سَيَهْدِينِ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْهِدَايَةَ لَا تَحْصُلُ إِلَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا يَقُولُ أَصْحَابُنَا، وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الْهِدَايَةِ عَلَى وَضْعِ الْأَدِلَّةِ وَإِزَاحَةِ الْأَعْذَارِ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ قَدْ حَصَلَ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي، وَقَوْلُهُ: (سَيَهْدِينِ) يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ تِلْكَ الْهِدَايَةِ بِالْمُسْتَقْبَلِ، فَوَجَبَ حَمْلُ الْهِدَايَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى تَحْصِيلِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ قِيلَ: إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ جَزَمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِأَنَّهُ تَعَالَى سَيَهْدِيهِ، وَأَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَجْزِمْ بِهِ، بَلْ قَالَ: (عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ) [الْقَصَصِ: 22] فَمَا الْفَرْقُ؟ قُلْنَا: الْعَبْدُ إِذَا تَجَلَّى لَهُ مَقَامَاتُ رَحْمَةِ اللَّهِ فَقَدْ يَجْزِمُ بِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَإِذَا تَجَلَّى لَهُ مَقَامَاتُ كَوْنِهِ غَنِيًّا عَنِ الْعَالَمِينَ، فَحِينَئِذٍ يَسْتَحْقِرُ نَفْسَهُ فَلَا يَجْزِمُ، بَلْ لَا يُظْهِرُ إِلَّا الرَّجَاءَ وَالطَّمَعَ.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي) يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ تَمَسُّكِ الْمُشَبِّهَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) [فَاطِرٍ: 10] لِأَنَّ كَلِمَةَ إِلَى مَوْجُودَةٌ فِي قَوْلِهِ: (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي) مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ الْإِلَهُ مَوْجُودًا فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَكَذَلِكَ هَهُنَا.

يَقُولُ الحَقُّ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ آَيَاتِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت