خَصَّهُ بِأَعْظَمِ أَنْوَاعِ النُّصْرَةِ، لَمَّا أَحَسَّ مِنْهُمْ بِالْعَدَاوَةِ الشَّدِيدَةِ هَاجَرَ مِنْ تِلْكَ الدِّيَارِ، فَلَأَنْ يَجِبَ ذَلِكَ عَلَى الْغَيْرِ كَانَ أَوْلَى.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي قَوْلِهِ (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي) قَوْلَانِ:
الْأَوَّلُ: الْمُرَادُ مِنْهُ مُفَارَقَةُ تِلْكَ الدِّيَارِ، وَالْمَعْنَى إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى مَوَاضِعِ دِينِ رَبِّي.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَالَ الْكَلْبِيُّ: ذَاهِبٌ بِعِبَادَتِي إِلَى رَبِّي، فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الْمُرَادُ بِالذَّهَابِ إِلَى الرَّبِّ هُوَ الْهِجْرَةُ مِنَ الدِّيَارِ، وَبِهِ اقْتَدَى مُوسَى حَيْثُ قَالَ: (كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) [الشُّعَرَاءِ: 62] .
وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي: الْمُرَادُ رِعَايَةُ أَحْوَالِ الْقُلُوبِ، وَهُوَ أَنْ لَا يَأْتِيَ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَعْمَالِ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ: (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) [الْأَنْعَامِ: 79] قِيلَ: إِنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ بَيَانُ مُهَاجِرَتِهِ إِلَى أَرْضِ الشَّأْمِ، وَأَيْضًا يَبْعُدُ حَمْلُهُ عَلَى الْهِدَايَةِ فِي الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى الدِّينِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى الثَّبَاتِ عَلَيْهِ، أَوْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى الِاهْتِدَاءِ إِلَى الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَةِ وَالْمَرَاتِبِ الرَّفِيعَةِ فِي أَمْرِ الدِّينِ.