فهرس الكتاب

الصفحة 1011 من 1309

إِظْهَارِ كِبْرِهِ، فَيَكُونُ مِنْ خُلُقِهِ أَلَّا يَخْضَعَ لِلْحَقِّ، وَلَا يُقَدِّرُ النَّاسَ قَدْرَهُمْ ; لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ أَكْبَرَ مِنَ الْحَقِّ وَمِنَ النَّاسِ، فَلَا يَرْضَى أَنْ يَكُونُوا فَوْقَهُ ; وَلِذَلِكَ فَسَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكِبْرَ بِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ مَوْضِعُ النَّقْصِ وَسَبَبُ الْمُؤَاخَذَةِ، فَقَالَ:"الْكِبْرُ مَنْ بَطِرَ الْحَقَّ وَغَمَطَ النَّاسَ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. وَأَمَّا تَكَبُّرُ الْخَالِقِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ إِظْهَارُ كِبْرِيَائِهِ وَعَظَمَتِهِ لِعِبَادِهِ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ فَهُوَ عَلَى كَوْنِهِ لَا يَكُونُ إِلَّا حَقًّا ; لِأَنَّهُ تَعَالَى أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَعْظَمُ تَرْبِيَةً وَتَغْذِيَةً لِإِيمَانِهِمْ، يُوَجِّهُ قُلُوبَهُمْ إِلَى الْكَمَالِ الْأَعْلَى ; فَيَقْوَى اسْتِعْدَادُهُمْ لِتَكْمِيلِ أَنْفُسِهِمْ وَعِرْفَانِهِمْ بِهَا، فَيَكُونُونَ أَحِقَّاءَ بِأَلَّا يَرْفَعُوهَا عَنْ مَكَانِهَا بِالْبَاطِلِ وَلَا يُسَفِّهُوهَا فَيَرْضَوْا لَهَا بِالْخَسَائِسِ. وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي تَفْسِيرِ كَلِمَةِ"جَبَّارِينَ"وَاسْتَطْرَدْنَا إِلَى اسْمِ الْجَبَّارِ وَالْمُتَكَبِّرِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ; لِمَا نَعْلَمُهُ مِنْ ضَلَالِ بَعْضِ النَّاسِ فِي فَهْمِ الِاسْمَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ.

أَمَّا مَا رُوِيَ فِي التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ مِنْ وَصْفِ هَؤُلَاءِ الْجَبَّارِينَ، فَأَكْثَرُهُ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ الْخُرَافِيَّةِ الَّتِي كَانَ يَبُثُّهَا الْيَهُودُ فِي الْمُسْلِمِينَ، فَرَوَوْهَا مِنْ غَيْرِ عَزْوٍ إِلَيْهِمْ ; كَقَوْلِهِمْ إِنَّ الْعُيُونَ الِاثْنَيْ عَشَرَ، الَّذِينَ بَعَثَهُمْ مُوسَى إِلَى مَا وَرَاءَ الْأُرْدُنِّ ; لِيَتَجَسَّسُوا وَيُخْبِرُوهُ بِحَالِ تِلْكَ الْأَرْضِ وَمَنْ فِيهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا قَوْمُهُ، رَآهُمْ أَحَدُ الْجَبَّارِينَ فَوَضَعَهُمْ كُلَّهُمْ فِي كِسَائِهِ، أَوْ فِي حُجْزَتِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ كَانَ أَحَدُهُمْ يَجْنِي الْفَاكِهَةَ، فَكَانَ كُلَّمَا أَصَابَ وَاحِدًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْعُيُونِ وَضَعَهُ فِي كُمِّهِ مَعَ الْفَاكِهَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِ مُوسَى اسْتَظَلُّوا فِي ظِلِّ خُفِّ رَجُلٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْعَمَالِيقِ. وَأَمْثَلُ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ وَأَصْدَقُهُ قَوْلُ قَتَادَةَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ) قَالَ: هُمْ أَطْوَلُ مِنَّا أَجْسَامًا، وَأَشَدُّ قُوَّةً، وَأَفْرَطُوا فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت