قَوْلُهُ: (وَسَعَةً) يَعْنِي: الرِّزْقَ. قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ: قَتَادَةُ، حَيْثُ قَالَ فِي قَوْلِهِ: (يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً) إِي، وَاللَّهِ، مِنَ الضَّلَالَةِ إِلَى الْهُدَى، وَمِنِ الْقِلَّةِ إِلَى الْغِنَى.
وَقَوْلُهُ: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) أَيْ: وَمَنْ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ بِنِيَّةِ الْهِجْرَةِ، فَمَاتَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، فَقَدْ حَصَلَ لَهُ مِنَ اللَّهِ ثَوَابُ مَنْ هَاجَرَ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الصِّحَاحِ وَالْمَسَانِيدِ وَالسُّنَنِ، مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ".
وَهَذَا عَامٌّ فِي الْهِجْرَةِ وَفِي كُلِّ الْأَعْمَالِ. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الثَّابِتُ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي الرَّجُلِ الَّذِي قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا. ثُمَّ أَكْمَلَ بِذَلِكَ الْعَابِدِ الْمِائَةَ، ثُمَّ سَأَلَ عَالِمًا: هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ ثُمَّ أَرْشَدَهُ إِلَى أَنْ يَتَحَوَّلَ مِنْ بَلَدِهِ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ يَعْبُدُ اللَّهَ فِيهِ، فَلَمَّا ارْتَحَلَ مِنْ بَلَدِهِ مُهَاجِرًا إِلَى الْبَلَدِ الْآخَرِ، أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَ هَؤُلَاءِ: إِنَّهُ جَاءَ تَائِبًا. وَقَالَ هَؤُلَاءِ: إِنَّهُ لَمْ يَصِلْ بَعْدُ. فَأُمِرُوا أَنَّ يَقِيسُوا مَا بَيْنَ