بِالنَّصْبِ فَهُوَ مِنْ زَفَّ يَزِفُّ، وَمَنْ قَرَأَ بِالضَّمِّ فَهُوَ مِنْ أَزَفَّ يُزِفُّ، قَالَ الزَّجَّاجُ: يَزِفُّونَ يُسْرِعُونَ وَأَصْلُهُ مِنْ زَفِيفِ النَّعَامَةِ وَهُوَ ابْتِدَاءُ عَدْوِهَا، وَقَرَأَ حَمْزَةُ:"يُزِفُّونَ"أَيْ يَحْمِلُونَ غَيْرَهُمْ عَلَى الزَّفِيفِ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: يُقَالُ: أَزْفَفْتُ الْإِبِلَ إِذَا حَمَلْتَهَا عَلَى أَنْ تَزِفَّ، قَالَ: وَهُوَ سُرْعَةُ الْخُطْوَةِ وَمُقَارَبَةُ الْمَشْيِ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ عَلَى قِرَاءَتِهِ كَأَنَّهُمْ حَمَلُوا دَوَابَّهُمْ عَلَى الْإِسْرَاعِ فِي الْمَشْيِ، فَإِنْ قِيلَ: مُقْتَضَى هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا كَسَرَهَا عَدَوْا إِلَيْهِ وَأَخَذُوهُ، وَقَالَ فِي سُورَةٍ أُخْرَى فِي عَيْنِ هَذِهِ الْقِصَّةِ: (قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) [الْأَنْبِيَاءِ: 60] وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ مَا عَرَفُوهُ فَبَيْنَ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ تَنَاقُضٌ؟ قُلْنَا: لَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ جَمَاعَةً عَرَفُوهُ فَعَمَدُوا إِلَيْهِ مُسْرِعِينَ وَالْأَكْثَرُونَ مَا عَرَفُوهُ، فَتَعَرَّفُوا أَنَّ ذَلِكَ الْكَاسِرَ مَنْ هُوَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ) وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا عَاتَبُوا إِبْرَاهِيمَ عَلَى كَسْرِ الْأَصْنَامِ فَهُوَ أَيْضًا ذَكَرَ لَهُمُ الدَّلِيلَ الدَّالَّ عَلَى فَسَادِ الْمَصِيرِ إِلَى عِبَادَتِهَا فَقَالَ: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ ظَاهِرٌ وَهُوَ أَنَّ الْخَشَبَ وَالْحَجَرَ قَبْلَ النَّحْتِ وَالْإِصْلَاحِ مَا كَانَ مَعْبُودًا لِلْإِنْسَانِ الْبَتَّةَ، فَإِذَا نَحَتَهُ وَشَكَّلَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَخْصُوصِ لَمْ يَحْدُثْ فِيهِ إِلَّا آثَارُ تَصَرُّفِهِ، فَلَوْ صَارَ مَعْبُودًا عِنْدَ ذَلِكَ لَكَانَ مَعْنَاهُ