فهرس الكتاب

الصفحة 251 من 1309

، وَخَرَجَ مَعَ الشَّيْخِ خَلْقٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَبَكَوْا وَخَافُوا عَلَيْهِ مِنْ أَعْدَائِهِ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ الْأَفْرَمُ بِتَرْكِ الذَّهَابِ إِلَى مِصْرَ، وَقَالَ لَهُ: أَنَا أُكَاتِبُ السُّلْطَانَ فِي ذَلِكَ، وَأُصْلِحُ الْقَضَايَا، فَامْتَنَعَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مِنْ ذَلِكَ، وَذَكَرَ لَهُ أَنَّ فِي تَوَجُّهِهِ لِمِصْرَ مَصْلَحَةً كَبِيرَةً، وَمَصَالِحَ كَثِيرَةً، فَلَمَّا تَوَجَّهَ إِلَى مِصْرَ ازْدَحَمَ النَّاسُ لِوَدَاعِهِ وَرُؤْيَتِهِ حَتَّى انْتَشَرُوا مِنْ بَابِ دَارِهِ إِلَى قُرْبِ الْجُسُورَةِ، فِيمَا بَيْنَ دِمَشْقَ وَالْكُسْوَةِ، وَهُمْ مَا بَيْنَ بَاكٍ وَحَزِينٍ، وَمُتَفَرِّجٍ وَمُتَنَزِّهٍ، وَمُزَاحِمٍ مُتَغَالٍ فِيهِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ دَخَلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ غَزَّةَ فَعَمِلَ بِجَامِعِهَا مَجْلِسًا عَظِيمًا، ثُمَّ رَحَلَا مَعًا إِلَى الْقَاهِرَةِ، وَالْقُلُوبُ مَعَهُ وَبِهِ مُتَعَلِّقَةٌ، فَدَخَلَا مِصْرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ، وَقِيلَ: إِنَّهُمَا دَخَلَاهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ عُقِدَ لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ ... مَجْلِسٌ بِالْقَلْعَةِ، اجْتَمَعَ فِيهِ الْقُضَاةُ وَأَكَابِرُ الدَّوْلَةِ، وَأَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَلَى عَادَتِهِ، فَلَمْ يُمَكَّنْ مِنَ الْبَحْثِ وَالْكَلَامِ، وَانْتَدَبَ لَهُ الشَّمْسُ بْنُ عَدْلَانَ خَصْمًا احْتِسَابًا، وَادَّعَى عَلَيْهِ عِنْدَ ابْنِ مَخْلُوفٍ الْمَالِكِيِّ أَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَرْشِ حَقِيقَةً، وَإِنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ، فَسَأَلَهُ الْقَاضِي جَوَابَهُ، فَأَخَذَ الشَّيْخُ فِي حَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: أَجِبْ، مَا جِئْنَا بِكَ لِتَخْطُبَ، فَقَالَ: وَمَنِ الْحَاكِمُ فِيَّ؟ فَقِيلَ لَهُ: الْقَاضِي الْمَالِكِيُّ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: كَيْفَ تَحْكُمُ فِيَّ وَأَنْتَ خَصْمِي؟!.

فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَانْزَعَجَ، وَأُقِيمَ مُرَسَّمًا عَلَيْهِ، وَحُبِسَ فِي بُرْجٍ أَيَّامًا، ثُمَّ نُقِلَ مِنْهُ لَيْلَةَ الْعِيدِ إِلَى الْحَبْسِ الْمَعْرُوفِ بِالْجُبِّ هُوَ وَأَخَوَاهُ: شَرَفُ الدِّينِ عَبْدُ اللَّهِ، وَزَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت