عَلَيَّ، وَذَهَبَ عَقْلِي مِرَارًا، فَإِذَا سَكَنَ الضَّرْبُ يَعُودُ إِلَيَّ عَقْلِي، وَقَامَ الْمُعْتَصِمُ إِلَيَّ يَدْعُونِي إِلَى قَوْلِهِمْ فَلَمْ أُجِبْهُ، وَجَعَلُوا يَقُولُونَ: وَيْحَكَ، الْخَلِيفَةُ عَلَى رَأْسِكَ. فَلَمْ أَقْبَلْ، فَأَعَادُوا الضَّرْبَ، ثُمَّ عَادَ إِلَيَّ فَلَمْ أُجِبْهُ، فَأَعَادُوا الضَّرْبَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَيَّ الثَّالِثَةَ، فَدَعَانِي فَلَمْ أَعْقِلْ مَا قَالَ مِنْ شِدَّةِ الضَّرْبِ، ثُمَّ أَعَادُوا الضَّرْبَ فَذَهَبَ عَقْلِي فَلَمْ أُحِسَّ بِالضَّرْبِ، وَأَرْعَبَهُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِي، وَأَمَرَ بِي فَأُطْلِقْتُ، وَلَمْ أَشْعُرْ إِلَّا وَأَنَا فِي حُجْرَةٍ مِنْ بِيْتٍ وَقَدْ أُطْلِقَتِ الْأَقْيَادُ مِنْ رِجْلِي، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، ثُمَّ أَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِإِطْلَاقِهِ إِلَى أَهْلِهِ، وَكَانَ جُمْلَةُ مَا ضُرِبَ نَيِّفًا وَثَلَاثِينَ سَوْطًا، وَقِيلَ: ثَمَانِينَ سَوْطًا لَكِنْ كَانَ ضَرْبًا مُبَرِّحًا شَدِيدًا جِدًّا.
وَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَجُلًا طُوَالًا رَقِيقًا أَسْمَرَ اللَّوْنِ كَثِيرَ التَّوَاضُعِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَرَضِيَ عَنْهُ، وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ.
وَلَمَّا حُمِلَ مِنْ دَارِ الْخِلَافَةِ إِلَى دَارِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ صَائِمٌ، أَتَوْهُ بِسَوِيقٍ وَمَاءٍ ; لِيُفْطِرَ مِنَ الضَّعْفِ فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَتَمَّ صَوْمَهُ، وَحِينَ حَضَرَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ صَلَّى مَعَهُمْ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ سَمَاعَةَ الْقَاضِي: صَلَّيْتَ فِي دَمِكَ؟ فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ: قَدْ صَلَّى عُمَرُ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا. فَسَكَتَ.