وَكَقَوْلِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّكَ لَتَأْكُلُ الْمِرْبَاعَ وَهُوَ حَرَامٌ فِي دِينِكَ، قَالَهُ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ قَبْلَ إِسْلَامِهِ.
وَمِنَ الْإِعْجَازِ الْعِلْمِيِّ فِي الْقُرْآنِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ جَمَعَتْ أُصُولَ الِاسْتِدْلَالِ الْعَقْلِيِّ الْحَقِّ، وَهِيَ الْبُرْهَانُ، وَالْخَطَابَةُ، وَالْجَدَلُ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا فِي عِلْمِ الْمَنْطِقِ بِالصِّنَاعَاتِ، وَهِيَ الْمَقْبُولَةُ مِنَ الصِّنَاعَاتِ، وَأَمَّا السَّفْسَطَةُ، وَالشِّعْرُ فَيَرْبَأُ عَنْهُمَا الْحُكَمَاءُ الصَّادِقُونَ بَلْهَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ.
قَالَ فَخْرُ الدِّينِ: إِنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى الْمَذْهَبِ وَالْمَقَالَةِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَبْنِيَّةً عَلَى حُجَّةٍ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِ الْحُجَّةِ إِمَّا تَقْرِيرُ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ وَذَلِكَ الِاعْتِقَادِ فِي قُلُوبِ السَّامِعِينَ، وَإِمَّا إِلْزَامُ الْخَصْمِ وَإِفْحَامُهُ.
أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَيَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ ; لِأَنَّ تِلْكَ الْحُجَّةَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ حُجَّةً حَقِيقِيَّةً يَقِينِيَّةً مُبَرَّأَةً مِنِ احْتِمَالِ النَّقِيضِ، وَإِمَّا أَنْ لَا تَكُونَ كَذَلِكَ بَلْ تَكُونَ مُفِيدَةً ظَنًّا ظَاهِرًا وَإِقْنَاعًا، فَظَهَرَ انْحِصَارُ الْحُجَجِ فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ: أَوَّلُهَا: الْحُجَّةُ الْمُفِيدَةُ لِلْعَقَائِدِ الْيَقِينِيَّةِ، وَذَلِكَ هُوَ الْمُسَمَّى بِالْحِكْمَةِ.
وَثَانِيهَا: الْأَمَارَاتُ الظَّنِّيَّةُ، وَهِيَ الْمَوْعِظَةُ الْحَسَنَةُ.