فهرس الكتاب

الصفحة 517 من 1309

قَوْلُ مُحَمَّدُ رَشِيدِ رِضَا فِي تَفْسِيرِهَا

" (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) أَيْ قَالَ: أَيْ رَبِّي، الْغَالِبُ عَلَى أَمْرِي، الْعَالِمُ بِسِرِّي وَجَهْرِي، إِنَّ الْحَبْسَ وَالِاعْتِقَالَ فِي السِّجْنِ مَعَ الْمُجْرِمِينَ حَيْثُ شَظَفُ الْعَيْشِ أَحَبُّ إِلَى نَفْسِي، وَآثَرُ عِنْدِي عَلَى مَا يَدْعُونِي إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ النِّسْوَةُ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِهِنَّ فِي تَرَفِ هَذِهِ الْقُصُورِ وَزِينَتِهَا، وَالِاشْتِغَالِ بِحُبِّهِنَّ عَنْ حُبِّكَ، وَبِقُرْبِهِنَّ عَنْ قُرْبِكَ، وَبِمُغَازَلَتِهِنَّ عَنْ مُنَاجَاتِكَ، وَإِنَّمَا يُفَسَّرُ وَيُشْرَحُ هَذَا بِمَا يُعْلَمُ مِنْ سِيَاقِ الْقُرْآنِ، وَمِنْ طِبَاعِ الرِّجَالِ وَالنِّسْوَانِ، وَمِنَ التَّارِيخِ الْعَامِّ، وَالسُّنَنِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْعَادَاتِ، وَسِيرَةِ الصَّالِحِينَ وَالْأَنْبِيَاءِ، دُونَ حَاجَةٍ إِلَى مَا لَا سَنَدَ لَهُ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنَ الرِّوَايَاتِ وَدَسَائِسِ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَمِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي السِّجْنِ إِلَّا الِاعْتِبَارُ بِأَحْكَامِ الْمُلُوكِ وَأَعْوَانِهِمْ مِنَ الْوُزَرَاءِ وَالْقُضَاةِ عَلَى مَنْ يَسْخَطُونَ عَلَيْهِمْ بِحَقٍّ أَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ، مِمَّا يَزِيدُنِي إِيمَانًا بِقَضَائِكَ، وَصَبْرًا عَلَى بَلَائِكَ، وَشُكْرًا لِنَعْمَائِكَ، وَعِلْمًا بِشُئُونِ خَلْقِكَ، وَيَفْتَحُ لِي بَابَ الدَّعْوَةِ إِلَى مَعْرِفَتِكَ وَتَوْحِيدِكَ، وَالِاسْتِعْدَادِ لِإِقَامَةِ الْحَقِّ، وَنَصْبِ مِيزَانِ الْعَدْلِ، فِيمَا عَسَى أَنْ تُخَوِّلَنِي مِنَ الْأَمْرِ، إِذَا مَكَّنْتَ لِي كَمَا وَعَدْتَنِي فِي الْأَرْضِ."

هَذَا مَا يَتَبَادَرُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ تَوْجِيهِ التَّفْضِيلِ فِي الْحُبِّ، تَدُلُّ عَلَيْهِ حَالَةُ يُوسُفَ وَسَابِقُ قِصَّتِهِ وَلَاحِقُهَا بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ وَلَا تَحَكُّمٍ، كَمَا هُوَ دَأْبُنَا فِي كُلِّ مَا تُفَسَّرُ بِهِ هَذِهِ الْقِصَّةُ وَغَيْرُهَا، وَهُوَ يَصْدُقُ فِي جَعْلِ اسْمِ التَّفْضِيلِ هُنَا لَا مَفْهُومَ لَهُ أَوْ عَلَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت