وَاعْلَمْ أَنَّا ذَكَرْنَا أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا أُلْقِيَ فِي الْجُبِّ قَالَ تَعَالَى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا) [يُوسُفَ: 15] وَذَلِكَ يَدُلُّ ظَاهِرًا عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَعِنْدَنَا الْإِرْهَاصُ جَائِزٌ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ ذَلِكَ الْوَحْيَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَا كَانَ لِأَجْلِ بِعْثَتِهِ إِلَى الْخَلْقِ، بَلْ لِأَجْلِ تَقْوِيَةِ قَلْبِهِ وَإِزَالَةِ الْحُزْنِ عَنْ صَدْرِهِ، وَلِأَجْلِ أَنْ يَسْتَأْنِسَ بِحُضُورِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى قَالَ هَهُنَا: (وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) وَالْمُرَادُ مِنْهُ إِرْسَالُهُ إِلَى الْخَلْقِ بِتَبْلِيغِ التَّكَالِيفِ، وَدَعْوَةِ الْخَلْقِ إِلَى الدِّينِ الْحَقِّ، وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ ذَلِكَ الْوَحْيَ الْأَوَّلَ كَانَ لِأَجْلِ الرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ، وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: (وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيْهِ بِزِيَادَاتٍ وَدَرَجَاتٍ يَصِيرُ بِهَا كُلَّ يَوْمٍ أَعْلَى حَالًا مِمَّا كَانَ قَبْلَهُ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَشَدُّ النَّاسِ فِرَاسَةً ثَلَاثَةٌ: الْعَزِيزُ حِينَ تَفَرَّسَ فِي يُوسُفَ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا، وَالْمَرْأَةُ لَمَّا رَأَتْ مُوسَى، فَقَالَتْ: (يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ) [الْقَصَصِ: 26] وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) وَفِيهِ وَجْهَانِ:
الْأَوَّلُ: غَالِبٌ عَلَى أَمْرِ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ لَا دَافِعَ لِقَضَائِهِ وَلَا مَانِعَ عَنْ حُكْمِهِ فِي أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ.