الصَّيْفِ الصَّائِفِ، إِذَا رَأَى الْجُلَّابَ الْمُبَرَّدَ الْمُثَلَّجَ فَإِنَّ طَبِيعَتَهُ تَحْمِلُهُ عَلَى شُرْبِهِ، إِلَّا أَنَّ دِينَهُ وَهُدَاهُ يَمْنَعُهُ مِنْهُ، فَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى حُصُولِ الذَّنْبِ، بَلْ كُلَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الْحَالَةُ أَشَدَّ كَانَتِ الْقُوَّةُ فِي الْقِيَامِ بِلَوَازِمِ الْعُبُودِيَّةِ أَكْمَلَ، فَقَدْ ظَهَرَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى صِحَّةُ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي ذَهَبْنَا إِلَيْهِ وَلَمْ يَبْقَ فِي يَدِ الْوَاحِدِيِّ إِلَّا مُجَرَّدُ التَّصَلُّفِ وَتَعْدِيدِ أَسْمَاءِ الْمُفَسِّرِينَ، وَلَوْ كَانَ قَدْ ذَكَرَ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ الْقَوْلِ شُبْهَةً لَأَجَبْنَا عَنْهَا، إِلَّا أَنَّهُ مَا زَادَ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ الْحَشْوِيَّةِ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:"مَا كَذَبَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَّا ثَلَاثَ كِذْبَاتٍ"فَقُلْتُ: الْأَوْلَى أَنْ لَا نَقْبَلَ مِثْلَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ، فَقَالَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِنْكَارِ: فَإِنْ لَمْ نَقْبَلْهُ لَزِمَنَا تَكْذِيبُ الرُّوَاةِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا مِسْكِينُ إِنْ قَبِلْنَاهُ لَزِمَنَا الْحُكْمُ بِتَكْذِيبِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِنْ رَدَدْنَاهُ لَزِمَنَا الْحُكْمُ بِتَكْذِيبِ الرُّوَاةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ صَوْنَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنِ الْكَذِبِ أَوْلَى مِنْ صَوْنِ طَائِفَةٍ مِنَ الْمَجَاهِيلِ عَنِ الْكَذِبِ.
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا الْأَصْلَ فَنَقُولُ لِلْوَاحِدِيِّ: وَمَنِ الَّذِي يَضْمَنُ لَنَا أَنَّ الَّذِينَ نَقَلُوا هَذَا الْقَوْلَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُفَسِّرِينَ كَانُوا صَادِقِينَ أَمْ كَاذِبِينَ؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْبُرْهَانِ مَا هُوَ؟ أَمَّا الْمُحَقِّقُونَ الْمُثْبِتُونَ لِلْعِصْمَةِ فَقَدْ فَسَّرُوا رُؤْيَةَ الْبُرْهَانِ بِوُجُوهٍ: