وَالظُّهُورِ فِي الْأَرْضِ بِالْكَلِمَةِ النَّافِذَةِ وَالْجَاهِ الْعَرِيضِ، فَرَاعُوا هَذِهِ النِّعْمَةَ بِشُكْرِ اللَّهِ، وَتَصْدِيقِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاحْذَرُوا نِقْمَةَ اللَّهِ إِنْ كَذَّبْتُمْ رَسُولَهُ، (فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا) أَيْ: لَا تُغْنِي عَنْكُمْ هَذِهِ الْجُنُودُ وَهَذِهِ الْعَسَاكِرُ، وَلَا تَرُدُّ عَنَّا شَيْئًا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنَا بِسُوءٍ.
(قَالَ فِرْعَوْنُ) لِقَوْمِهِ، رَادًّا عَلَى مَا أَشَارَ بِهِ هَذَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ الْبَارُّ الرَّاشِدُ الَّذِي كَانَ أَحَقَّ بِالْمُلْكِ مِنْ فِرْعَوْنَ: (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى) أَيْ: مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُشِيرُ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا أَرَاهُ لِنَفْسِي وَقَدْ كَذَبَ فِرْعَوْنُ، فَإِنَّهُ كَانَ يَتَحَقَّقُ صِدْقَ مُوسَى فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنَ الرِّسَالَةِ (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ) [الْإِسْرَاءِ: 102] ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) [النَّمْلِ: 14] .
فَقَوْلُهُ: (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى) كَذَبَ فِيهِ وَافْتَرَى، وَخَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَرَعِيَّتَهُ، فَغَشَّهُمْ وَمَا نَصَحَهُمْ وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) أَيْ: وَمَا أَدْعُوكُمْ إِلَّا إِلَى طَرِيقِ الْحَقِّ وَالصِّدْقِ وَالرُّشْدِ وَقَدْ كَذَبَ أَيْضًا فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ قَوْمُهُ قَدْ أَطَاعُوهُ وَاتَّبَعُوهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) [هُودٍ: 97] ، وَقَالَ تَعَالَى: (وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى) [طَهَ: 79] ، وَفِي الْحَدِيثِ:"مَا مِنْ إِمَامٍ يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا لَمْ يَرُحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ".