فهرس الكتاب
اعْلَمْ أَنَّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا تَفَقَّدَ الطَّيْرَ أَوْهَمَ ذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا تَفَقَّدَهُ لِأَمْرٍ يَخْتَصُّ بِهِ ذَلِكَ الطَّيْرُ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لِأَجْلِهِ تَفَقَّدَهُ عَلَى وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: قَوْلُ وَهْبٍ أَنَّهُ أَخَلَّ بِالنَّوْبَةِ الَّتِي كَانَ يَنُوبُهَا فَلِذَلِكَ تَفَقَّدَهُ.
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ تَفَقَّدَهُ لِأَنَّ مَقَايِيسَ الْمَاءِ كَانَتْ إِلَيْهِ، وَكَانَ يَعْرِفُ الْفَصْلَ بَيْنَ قَرِيبِهِ وَبَعِيدِهِ، فَلِحَاجَةِ سُلَيْمَانَ إِلَى ذَلِكَ طَلَبَهُ وَتَفَقَّدَهُ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ كَانَ يُظِلُّهُ مِنَ الشَّمْسِ، فَلَمَّا فَقَدَ ذَلِكَ تَفَقَّدَهُ.
أَمَّا قَوْلُهُ: (فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ) فَأَمْ هِيَ الْمُنْقَطِعَةُ نَظَرَ إِلَى مَكَانِ الْهُدْهُدِ فَلَمْ يُبْصِرْهُ فَقَالَ: مَا لِيَ لَا أَرَاهُ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا يَرَاهُ وَهُوَ حَاضِرٌ لِسَاتِرٍ سَتَرَهُ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ثُمَّ لَاحَ لَهُ أَنَّهُ غَائِبٌ فَأَضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ وَأَخَذَ يَقُولُ: أَهْوَ غَائِبٌ؟ كَأَنَّهُ يَسْأَلُ عَنْ صِحَّةِ مَا لَاحَ لَهُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُمْ: إِنَّهَا لَإِبِلٌ أَمْ شَاءٌ.
أَمَّا قَوْلُهُ: (لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) فَهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَهُ إِلَّا فِيمَنْ هُوَ مُكَلَّفٌ أَوْ فِيمَنْ قَارَبَ الْعَقْلَ فَيَصْلُحُ لِأَنْ يُؤَدَّبَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ: (لَأُعَذِّبَنَّهُ) فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ نَتْفُ الرِّيشِ وَالْإِلْقَاءُ فِي الشَّمْسِ، وَقِيلَ: