وَالصُّوفِيَّةُ يَخُصُّونَ السَّائِحِينَ الْمَمْدُوحِينَ بِالَّذِينِ يَهِيمُونَ فِي الْأَرْضِ لِتَرْبِيَةِ إِرَادَتِهِمْ، وَتَهْذِيبِ أَنْفُسِهِمْ بِاحْتِمَالِ الْمَشَاقِّ، وَالْبُعْدِ عَنْ مَظَانِّ السُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ ; لِجَمْعِ الْقَلْبِ عَلَى الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ بِالْإِخْلَاصِ فِي عِبَادَتِهِ، وَالتَّكَمُّلِ فِي مَنَازِلِ مَعْرِفَتِهِ، كَالسَّيَّاحِينَ مِنَ الْأُمَمِ قَبْلَهُمْ، وَقَدْ كَانَ إِطْلَاقُ السِّيَاحَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى ذَائِعًا مِنْ قَبْلِ الْإِسْلَامِ، حَتَّى قَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: السِّيَاحَةُ: الذَّهَابُ فِي الْأَرْضِ لِلْعِبَادَةِ ; وَمِنْهُ سُمِّي الْمَسِيحُ إِلَخْ، وَاعْتَرَضُوهُ فِيهِ فَإِنَّمَا هُوَ عُرْفٌ لَيْسَ مِنْ أَصْلِ اللُّغَةِ، وَتَقَدَّمَ مَعْنَى السِّيَاحَةِ اللُّغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) (9: 2) وَهُوَ أَوَّلُ آيَةٍ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ (ص 136 ج 10 ط الْهَيْئَةِ) .
وَقَدْ حَدَثَ لِلْمُتَصَوِّفَةِ بِدَعٌ فِي السِّيَاحَةِ كَقَصْدِ مَشَاهِدِ الْقُبُورِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ لِلتَّبَرُّكِ بِهَا، وَالِاسْتِمْدَادِ مِنْ أَرْوَاحِ مَنْ دُفِنُوا فِيهَا، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَكُونُ لَهُ هَوًى فِي التَّنَقُّلِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى آخَرَ فَيَظَلُّ هَائِمًا فِي الْأَسْفَارِ، وَيَنْقَطِعُ بِذَلِكَ عَنِ الْأَعْمَالِ الَّتِي تَنْفَعُ النَّاسَ وَعَنِ الزَّوَاجِ، وَيَرْتَكِبُ بَعْضُهُمْ فِيهَا كَثِيرًا مِنَ الْمُنْكَرَاتِ، وَيَكُونُ لَهُمْ طَمَعٌ فِي اسْتِجْدَاءِ النَّاسِ، وَالسُّؤَالُ حَرَامٌ إِلَّا لِضَرُورَةٌ، وَالْفُقَهَاءُ يُنْكِرُونَ عَلَيْهِمْ سِيَاحَتَهُمْ هَذِهِ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: السِّيَاحَةُ فِي الْأَرْضِ لَا لِمَقْصُودٍ وَلَا إِلَى مَكَانٍ مَعْرُوفٍ مَنْهِيٌّ عَنْهَا.