التَّعْدَادَ قَدْ تَمَّ بِالْوَصْفِ السَّابِعِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ السَّبْعَةَ هُوَ الْعَدَدُ التَّامُّ وَالثَّامِنَ ابْتِدَاءُ عَدَدٍ آخَرَ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ، وَإِنَّ هَذِهِ الْوَاوَ تُسَمَّى وَاوَ الثَّمَانِيَةِ.
وَأَنْكَرَ هَذِهِ الْوَاوَ النُّحَاةُ الْمُحَقِّقُونَ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ إِجْمَالٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّفْصِيلِ قَبْلَهُ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُجْعَلَ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِهِ فَيُسْرَدَ مَعَهُ. وَأَقْوَى مِنْهُ عِنْدِي أَنَّهُ وَصْفٌ جَامِعٌ لِلتَّكَالِيفِ عَامَّةً، وَالْمَنْهِيَّاتِ خَاصَّةً، وَالسَّبْعَةُ الْمَسْرُودَةُ قَبْلَهُ مِنَ الْمَأْمُورَاتِ، وَلَا يَحْصُلُ الْكَمَالُ لِلْمُؤْمِنِ بِهَا إِلَّا مَعَ اجْتِنَابِ الْمَنْهِيَّاتِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَا يُلَاحَظُ فِي حِفْظِ حُدُودِ اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا) (2: 187) (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (2: 229) (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) (65: 1) وَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَعْنَى نَظْمِ الْآيَةِ: أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ الْكَامِلِينَ الَّذِينَ بَاعُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى هُمُ الْمُتَّصِفُونَ بِالصِّفَاتِ السَّبْعِ، وَالْحَافِظُونَ مَعَ ذَلِكَ لِجَمِيعِ حُدُودِ اللَّهِ فِي كُلِّ أَمْرٍ وَنَهْيٍ، وَيُعَبَّرُ عَنْ هَذَا فِي عُرْفِ هَذَا الْعَصْرِ بِقَوْلِهِمْ: (( الْمَثَلُ الْأَعْلَى ) )وَيُطْلِقُونَهُ عَلَى الْأَفْرَادِ النَّابِغِينَ فِي بَعْضِ الْفَضَائِلِ الْعَامَّةِ، وَعَلَى الْجَمَاعَاتِ وَالْأُمَمِ الرَّاقِيَةِ، وَيَكْفِي أَنْ يُقَالَ فِيهِ (( الْمَثَلُ ) )فِي كَذَا. كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا) (43: 57) وَقَالَ: (وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) (43: 59) أَوْ يُقَالُ: مَثَلٌ عَالٍ، أَوْ مَثَلٌ شَرِيفٌ. وَأَمَّا الْأَعْلَى فَهُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا قَالَ عَنْ نَفْسِهِ: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) (16: 60) وَقَالَ: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (30: 27) .