وَالْحِكْمَةُ فِي مَجِيئِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى هَيْئَتِهِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ شَاهِدَ فَضِيلَتِهِ وَبَذْلِهِ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْيَمِينِ وَانْعِقَادِهَا بِقَوْلِهِ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) وَنَحْوِ هَذِهِ الصِّيغَةِ مِنَ الْحَلِفِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا، قَالَ أَصْحَابُنَا: الْيَمِينُ تَكُونُ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ، أَوْ مَا دَلَّ عَلَى ذَاتِهِ، قَالَ الْقَاضِي: وَالْيَدُ هُنَا بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ وَالْمُلْكِ.
قَوْلُهُ: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا أَنْ يَشُقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا قَعَدْتُ خِلَافَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ: خَلْفَهَا وَبَعْدَهَا. وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالرَّأْفَةِ بِهِمْ، وَأَنَّهُ كَانَ يَتْرُكُ بَعْضَ مَا يَخْتَارُهُ لِلرِّفْقِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَتِ الْمَصَالِحُ بَدَأَ بِأَهَمِّهَا. وَفِيهِ مُرَاعَاةُ الرِّفْقِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَالسَّعْيِ فِي زَوَالِ الْمَكْرُوهِ وَالْمَشَقَّةِ عَنْهُمْ.
قَوْلُهُ: (لَوَدِدْتُ أَنِّي أَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ) فِيهِ فَضِيلَةُ الْغَزْوِ وَالشَّهَادَةِ، وَفِيهِ: تَمَنِّي الشَّهَادَةِ وَالْخَيْرِ، وَتَمَنِّي مَا لَا يُمْكِنُ فِي الْعَادَةِ مِنَ الْخَيْرَاتِ، وَفِيهِ أَنَّ الْجِهَادَ فَرْضُ كِفَايَةٍ لَا فَرْضَ عَيْنٍ" [1] ."
(ت) عَنْ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا،"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي، ثُمَّ عَرَضَنِي يَوْمَ"
(1) شرح النووي على صحيح مسلم» بَاب فَضْلِ الْجِهَادِ وَالْخُرُوجِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» الحديث رقم 1876