لِنَبِيِّهِ، أَوْ كَانَ رَأْيًا رَآهُ بِخِلَافِ مَسْجِدِهِ، أَوْ كَانَ حَصَلَ لَهُ أَوْ لِأَصْحَابِهِ فِيهِ مِنَ الْأَحْوَالِ الْقَلْبِيَّةِ مَا لَمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِهِ، انْتَهَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْمَزِيَّةُ لِمَا اتُّفِقَ مِنْ طُولِ إِقَامَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، بِخِلَافِ مَسْجِدِ قُبَاءَ فَمَا أَقَامَ بِهِ إِلَّا أَيَّامًا قَلَائِلَ، وَكَفَى بِهَذَا مَزِيَّةً مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى مَا تَكَلَّفَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَالْحَقُّ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي بَقِيَّةِ الْآيَةِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا يُؤَيِّدُ كَوْنَ الْمُرَادِ مَسْجِدَ قُبَاءَ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: نَزَلَتْ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا فِي أَهْلِ قُبَاءَ وَعَلَى هَذَا فَالسِّرُّ فِي جَوَابِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّ الْمَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مَسْجِدُهُ رَفْعُ تَوَهُّمِ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِمَسْجِدِ قُبَاءَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الدَّاوُدِيُّ وَغَيْرُهُ: لَيْسَ هَذَا اخْتِلَافًا، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى وَكَذَا قَالَ السُّهَيْلِيُّ وَزَادَ غَيْرُهُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَسْجِدُ قُبَاءَ، لِأَنَّ تَأْسِيسَهُ كَانَ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ حَلَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدَارِ الْهِجْرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ) وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ وَابْنِ عَائِذٍ أَنَّهُ رَكِبَ مِنْ قُبَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَدْرَكَتْهُ الْجُمُعَةُ فِي بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلُمَّ إِلَى الْعَدَدِ وَالْعُدَدِ وَالْقُوَّةِ، انْزِلْ بَيْنَ أَظْهُرِنَا. وَعِنْدَ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ نَحْوَهُ وَزَادَ: وَصَارُوا يَتَنَازَعُونَ زِمَامَ نَاقَتِهِ، وَسَمَّى مِمَّنْ سَأَلَهُ النُّزُولَ عِنْدَهُمْ تَبَّانَ بْنَ مَالِكٍ فِي بَنِي سَالِمٍ، وَفَرْوَةَ بْنَ عَمْرٍو فِي بَنِي بَيَاضَةَ، وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ وَالْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو وَغَيْرَهُمَا فِي بَنِي سَاعِدَةَ، وَأَبَا سَلِيطٍ وَغَيْرَهُ، فِي بَنِي عَدِيٍّ، يَقُولُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ: دَعُوهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ وَعِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسٍ جَاءَتْ