نفسك عن الدنيا فلم ترها لك قدرة إلى الآخرة، فما أظنك إلا قد ظفرت بما طالبت. كان سيماك في سرك ولم يكن سيماك في علانيتك، تفقهت في دينك وتركت الناس يغون، وسمعت الحديث وتركتهم بحثون، وخرت من القول وتركتهم ينطقون. لا تحسد الأخبار، ولا تعيب الأشرار، ولا تقبل من السلطان عطية، ولا من الإخوان هدية. آنس ما تكون إذا كنت بالله خاليا، وأوحش ما تكون آنس ما يكون الناس، فمن سمع بمثلك وصبرك وعزم عزمك إلا أحسبك إلا وقد أتعبت العابدين بعدك .. سجنت نفسك في يتك فلا محدث لك ولا جليس معك، ولا فراش تحتك، ولا ستر على بابك، ولا نملة يبد فيها ماؤك، ولا صفحة يكون فيها غداؤك. مطهرتك (1) قلبك وقصعتك تورك (2)
داود! ما كنت تشتهي من الماء بارده، ولا من الطعام طيبه ولا من اللباس لينه، بلي! ولكن زهدت فيه لما بين يديك، فما أصغر ما بذلت، وما أحقر ما تركت في جنب ما أفلت، فلما م شهر ربك بموتك، وألبسك رداء عملك، وأكثر تبعك، فلو رأيت من حضرك عرفت أن ربك قد أكرمك وشرفك، فلتتكلم اليوم عشيرتك بكل ألسنتها فقد أوضح ربك فضلها بك، والله لو لم يذع عبدة إلى خير بعمله إلا ممن هذا الشر من كثرة هذا البع، لقد كان حقيقة بالاجتهاد والجهد لمن لا يضيع مطيعا ولا ينسي صنيعة شاكرة ومثيبا.
(1) المطهرة: كل إناء يتطهر منه، كالأبريق والسطل والركوة وغيرها.
(2) التور: إناء صغير يتوضأ به.