رغبت فيك، لقرابتك وسطتك (1) من قومك وأمانتك وحسن خلفك وصدق حديثك،، وكانت خديجة يومئذ أوسط قريش نسبة وأعظمهن شرفة وأكثرهن مالا، كل قومها كان حريصا على ذلك منها لو يقدر عليه (2) .
وكان رجال قريش يطلقون عليه لقب: الأمين؛ قبل أن ينزل عليه الوحي (3) .
كان شريفا في قمة الشرف، وكان موضع ثقة قومه وحبهم، وكانت حالته المادية على أحسن ما يرام، فاستهان بكل ذلك في سبيل الإسلام.
وبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فبدأ يدعو إلى الله سرا، ثم جهر بالدعوة إلى دين الله، فمشى رجال من أشراف قريش إلى عمه أبي طالب، فقالوا: إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديتنا، وسقه أحلامنا، وضلل آباءنا؛ فإما أن نكهه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنکفيکه» .. ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلمصلى الله عليه وسلم مضى على ما هو عليه: يظهر دين الله، ويدعو إليه (4) .
ومشى أشراف قريش إلى أبي طالب مرة أخرى، فقالوا له: «يا أبا طالب! إن لك سنة وشرفة ومنزلة فينا، و إنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنها عنا، و إنا والله لا نصبر على هذا: من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا أو تنازله و إياك (5) في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين، فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفسا باسلام رسول الله صلى الله عليه وسلمفم ولا خذلانه (6) ، ولكنه قال له: «يا ابن أخي!
(1) سيلتك: شرفك وسامي متزلتك.
(2) سيرة ابن هشام (1/ 25. 2 , 4)
(3) سيرة ابن هشام (2141) .
(4) مسيرة ابن هشام (1/ 279 - 277) .
(5) تنازله و إياك. أي تحاريک. تقول: تازل القوم، إذا تحاربوا،
(6) خذلانه: ترکه. تقول: خذلت الرجل: أي تركته ولم تنصره.