وجوابهم: أن ذلك غير ممتنع في القُدرة، بل له نظير في العادة وهو النَّائم، فإنه يجد لذَّة وألمًا لا يدركه جليسه، بل اليَقِظان قد يُدرك ألمًا أو لذَّة لما يَسمعه أو يُفكر فيه ولا يُدرك ذلك جليسه، وإنما أتى الغلطُ من قياس الغائب على الشاهد، وأحوال ما بعد الموت على ما قبله، والظَّاهر أن الله تعالى صَرف أبصار العباد وأسماعَهم عن مشاهدة ذلك، وسَتره عنهم إبقاءً عليهم ليتدافنوا، وليست للجوارح الدنيويَّة قُدرة على إدراك أمر الملكوت إلا من شاء الله، وقد ثبت بالأحاديث ما ذهب إليه الجمهور:
كقوله صلى الله عليه وسلم: (( إنه لَيسمع خَفْق نِعالهم ) ).
وقوله: (( فيَضربانِه بين أُذنيه ) ).
وقوله: (( فيُقعدانه تَختلف أضلَاعه ) )كلُّ ذلك من صفات الأجساد؛ اهـ.
وقفةٌ:
ذهب أبو الهُذيل ومَن تبعه إلى أن الميِّت لا يَشعر بالتَّعذيب ولا بغيره إلا بين النَّفختَين.
قالوا:"وحاله كحال النَّائم أو المَغشي علَيه لا يحسُّ بالضَّرب ولا بِغيره إلا بعد الإفاقة".
والأحاديث الثابتة في السؤال حالة تولي أصحاب الميِّت عنه تردُّ عليهم.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله:
"فلتعلم أن مذهبَ سلف الأمَّة وأئمتها أن الميِّت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يَحصل لرُوحه وبدنه، وأن الرُّوح تَبقى بعد مُفارقة البَدن مُنعَّمة أو مُعذبةً، وأنها تتصل بالبدن أحيانًا ويحصل له معها النَّعيم أو العذابُ، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أُعيدت الأرواحُ إلى الأجساد، وقاموا من قبورهم لربِّ العالمين، ومعاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى" (الروح: ص 69) .
ويقول ابن القيم أيضًا كما في كتاب"الرُّوح" (ص 85، 86) :
"إن الله سبحانه جعل الدُّور ثلاثًا: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، وجعل لكل دار أحكامًا تختص بها، وركَّب هذا الإنسان من بدن ونفس، وجعل أحكامَ دار الدنيا على الأبدان، والأرواح تبعًا لها؛ ولهذا جعل أحكامه الشَّرعية مرتبة على ما يَظهر من حركات اللِّسان والجوارح، وإن أَضمرت النُّفوس خِلافه، وجعل أحكام البَرزخ على الأرواح، والأبدان تبعًا لها، فكما تَبعت الأرواحُ الأبدانَ في أحكام الدنيا، فتألمت بألمها والتذَّت براحتها، وكانت هي التي باشرت أسباب النَّعيم والعذاب تَبِعت الأبدان الأرواح في نعيمها وعذابها، والأرواح حينئذ هي التي تباشر العذاب والنَّعيم، فالأبدانُ هنا ظاهرة والأرواح خفيَّة، والأبدان كالقبور لها والأرواح"