فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 54

فعلتَ؟ فقال: خشيتُك يا ربِّ وأنت أعلمُ، فما تلافاه أن رحمَه [1] ، فلم يَفُت عذاب البَرزخ ونعيمه لهذه الأجزاء التي صارت في هذه الحال، حتى لو عُلِّق الميِّت على رُؤوس الأشجار في مهابِّ الرِّياح لأصاب جسدَه من عذاب البَرزخ حظُّه ونصيبه، ولو دُفن الرجل الصالح في أتون مِن النار لأصاب جسدَه من نعيم البرزخ ورَوحه نصيبُه وحظُّه، فيجعل الله النار على هذا بَردًا وسلامًا، والهواء على ذلك نارًا وسمومًا، فعناصر العالم وموادُّه مُنقادة لربها وفاطرها وخالقها يُصرِّفها كيف يشاء، ولا يستعصي عليه منها شيء أراده، بل هي طَوع مشيئتِه مذلَّلة مُنقادة لقُدرته، ومَن أنكر هذا فقد جَحد ربَّ العالمين وكفر به وأنكر ربوبيَّته"."

س: هل النار التي في القبر من نار الدنيا؟

يُجيب عن هذا ابن القيم - رحمه الله - حيث قال كما في كتابه"الروح" (ص 89) :

"إن النار التي في القَبر والخضرة ليست مِن نار الدنيا ولا من زُروع الدنيا، فيشاهده من شاهد نار الدنيا وخضرها، وإنما هي من نار الآخرة وخضرها، وهي أشدُّ من نار الدنيا، فلا يحسُّ به أهل الدنيا، فإن الله سبحانه يحمي عليه ذلك التراب والحجارة التي عليه وتحته حتى يكون أعظم حرًّا من جمر الدنيا، ولو مسَّها أهل الدنيا لم يحسوا بذلك، بل أعجب من هذا أن الرَّجلين يُدفنان أحدهما إلى جنب الآخر، وهذا في حفرة من حفر النار لا يصل حرُّها إلى جاره، وذلك في رَوضة من رياض الجنة لا يصل رَوْحُها ونَعيمها إلى جارِه، وقُدرة الربِّ تعالى أوسع وأعجب من ذلك، وقد أرانا اللهُ من آيات قدرته في هذه الدار ما هو أعجب من ذلك بكثير، ولكن النفوس مُولعة بالتكذيب بما لم تُحط به علمًا إلا من وفَّقه الله وعصمه، فيُفرش للكافر لوحان من نار فيشتعل عليه قبره بهما كما يشتعل التَّنُّور، فإذا شاء الله سبحانه أن يُطلع على ذلك بعض عبيده أطلعه وغيَّبه عن غيره، إذ لو اطَّلع العِباد كلُّهم لزالت كلمةُ التكليف والإيمان بالغيب، ولما تدافن الناس، كما في"الصحيحين"عنه صلى الله عليه وسلم: (( لولا أن لا تَدافنوا لدعوتُ اللهَ أن يُسمِعَكم من عذابِ القبر ما أسمعُ ) )".

وقال ابن القيِّم أيضًا كما في"الروح" (ص 100) :

"عذاب البرزخ ونعيمُه أول عذاب الآخرة ونعيمها، وهو مشتق منه وواصل إلى أهل البرزخ هناك"، كما دلَّ عليه القرآن والسُّنَّة الصحيحة الصَّريحة في غير موضع دلالة صريحة، كقول

(1) قصة هذا الرجل الذي أوصى بنيه بحرق جثته بعد موته وتذريتها في البر والبحر مروية في"الصحيحين"وغيرهما من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت