فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 54

والقَرامِطة من بني عُبيد ... وغيرهم الذين بأرض مصر والشام، فإن أصحاب الخيل يقصدون قبورهم لذلك كما يقصدون قبور اليهود والنصارى، قال: فإذا سمعت الخيل عذاب القبر أحدَثَ لها ذلك فزعًا وحرارة تذهَب بالمغل [1] .

وقد قال عبدالحق الإشبيلي:

"حدثني الفقيه أبو الحكم بن برخان - وكان من أهل العلم والعمل - أنهم دَفنوا ميِّتًا بقريتهم في شرق إشبيليَّة، فلما فرغوا من دفنه قعدوا ناحيةً يتحدَّثون ودابَّة ترعى قريبًا منهم، فإذا بالدابَّة قد أقبلت مُسرعةً إلى القبر، فجعلت أُذنَها عليه كأنها تسمع، ثم ولَّت فارَّةً، ثم عادت إلى القبر، فجعلت أذنها عليه كأنها تسمع، ثم ولَّت فارَّة، فعلت ذلك مرَّة بعد أُخرى، قال أبو الحكم: فذكرتُ عذاب القبر، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( إنهم ليُعذَّبون عذابًا تسمعه البهائم ) ) (الروح: ص 70، 71) ."

س: هل يصل نعيم أو عذاب القبر لمن أكلته السِّباع، أو مات غَريقًا، أو حريقًا، أو مصلوبًا ويجري عليه ما يجري على المقبور في قبره؟

ج: قال ابن القيم - رحمه الله - كما في كتاب"الروح" (ص 78) :

"ومما ينبغي أن يُعلم أنَّ عذاب القبر هو عذابُ البرزخ، فكل مَن مات وهو مستحقٌّ للعذاب ناله نصيبُه منه قُبِرَ أو لم يُقْبر، فلو أكلته السِّباع، أو أُحرق حتى يصير رَمادًا، ونُسف في الهواء، أو صُلِب، أو غَرِق في البحر وصل إلى رُوحه وبدنِه من العذاب ما يصل إلى القبور".

وقال الإمام ابن القيم أيضًا كما في كتاب"الروح" (ص 98، 99) :

"إنه ينبغي أن يُعلم أن عذاب القبر ونعيمه اسم لعذاب البرزخ ونعيمه، وهو ما بين الدنيا والآخرة، وقال تعالى: {وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 100] ، وهذا البرزخ يُشرف أهله فيه على الدنيا والآخرة، وسمِّي عذاب القبر ونعيمه وأنه روضة أو حفرة نار، باعتبار غالب الخلق؛ فالمصلوب والحَرِيق والغَرِيق وأكيل السِّباع والطيور له من عذاب البرزخ ونعيمه قسطه الذي تقتضيه أعماله، وإن تنوعت أسباب النَّعيم والعذاب وكيفياتهما، فقد ظن بعض الأوائل أنه إذا حرق جسده بالنار وصار رمادًا، وذرِّي بعضُه في البحر وبعضه في البر في يوم شديد الريح أنه ينجو من ذلك، فأوصى بَنيه أن يفعلوا به ذلك، فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال: قم، فإذا هو قائم بين يدي الله، فسأله: ما حملك على ما"

(1) ) المغل: مغص يصيب الدواب إذا أكلت التراب مع العلف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت