فربَّ شخص يأتيه اثنان معًا عند انصراف الناس ليكون أهولَ في حقِّه وأشدَّ بحسب ما اقترف من الآثام، وآخر يأتيانه قبل انصراف الناس تخفيفًا عليه لحصول أُنسه بهم، وآخر يأتيه مَلك واحد فيكون أخفَّ عليه وأقل في المراجعة؛ لما قدَّمه من العمل الصالح، ويحتمل أن يأتي الاثنان ويكون السَّائل أحدهما وإن اشتركا في الإتيان فتحمل رواية الواحد على هذا"."
قال السيوطي - رحمه الله - في"شرح الصدور في أحوال الموتى في القبور":
"هذا الثاني هو الصَّواب، فإن ذِكر الملكَين هو الموجود في غالب الأحاديث"؛ اهـ، والله أعلم.
اختلف أهلُ العلم في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: أن سؤال القبر للرُّوح فقط، وذهب إلى ذلك: ابنُ حزم وابن هبيرَة.
القول الثاني: أن سؤال القَبر للبدن فقط، وذهب إلى ذلك: ابنُ جَرير الطَّبري، وجماعةٌ من الحنابلة، منهم ابن عَقِيل في كتاب"الإرشاد"، وابن الزَّاغواني، وجماعة من الكرَّاميَّة.
القول الثالث وهو قول الجمهور: أن سؤال القبر وعذابه أو نعيمه يكون للرُّوح والبدن معًا، وبه قال جمهور أهل العلم، وهذا هو الرَّاجح.
قال"شارح الطحاوية"رحمه الله (ص 451) :
"وليس السُّؤال في القَبر للرُّوح وحدَها كما قال ابنُ حَزم وغيرُه، وأفسدُ منه قولُ مَن قال: إنه للبدن بلا رُوح، والأحاديثُ الصَّحيحة تردُّ القولَين، وكذلك عذاب القبر يكون للنفس والبدن جميعًا باتفاق أهل السنة والجماعة، تُنعَّم النفس وتُعذَّب مفردة عن البدن ومتصلة به".
وقال ابن حجر في"الفتح" (3/ 377) في قصة أصحاب القَليب ووقوف النبي - صلى الله عليه وسلم - عليهم:"قد أخذ ابنُ جرير وجماعة من الكراميَّة من هذه القصة: أن السؤال في القبر يقع على البدن فقط، وأن الله يَخلق فيه إدراكًا بحيث يسمع ويعلم ويلذ ويألم".
وذهب ابنُ حزم وابن هبيرة إلى أن السؤال يقع على الرُّوح فقط من غير عود إلى الجسم.
وخالفهم الجُمهور فقالوا:"تُعاد الرُّوح إلى الجسد أو بعضه كما ثبت في الحديث، ولو كان على الروح فقط لم يكن للبدن بذلك اختصاص، ولا يمنع من كَون الميت قد تتفرق أجزاؤه، ولأن الله تعالى قادر أن يُعيد الحياة إلى جزء من الجسد ويقع عليه السؤال، كما هو قادر على أن يجمع أجزاءه، والحامل للقائلين بأن السؤال يقع على الروح فقط أن الميِّت قد يشاهَدُ في قبره حال المسألة لا أثر فيه من إقعاد ولا غيره ولا ضيق ولا سَعة، وكذلك غير المقبور كالمصلوب".