فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 54

وقد رأيتني في جماعة الأنبياء، فإذا موسى قائم يُصلِّي فإذا رجل ضَرب جَعد كأنه من رجال شنوءة [1] ، وإذا عيسى بن مريم قائم يُصلِّي، أقرب الناس به شَبهًا عروة بن مسعود الثَّقفي، وإذا إبراهيمُ قائم يُصلِّي، أشبه الناس به صاحبكم (يعنى: نفسه) فحانت الصَّلاةُ فأممْتُهم، فلما فرغت من الصلاة قال لي قائل: يا محمَّد، هذا مالك صاحب النار، فسلِّم عليه، فالْتَفتُّ إليه فبدأني بالسَّلام )) ؛ (مسلم) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - كما في"مجموع الفتاوى":"وأما كونه رأى موسى قائمًا يُصلِّي في قبره، ورآه في السماء أيضًا، فهذا لا منافاةَ بينهما، فإن أمر الأرواح من جنس أمر الملائكة في اللحظة الواحدة تصعد وتهبط كالمَلَك، ليست في ذلك كالبدن."

وهذه الصلاة ونحوها مما يتمتع به الميت، ويتنعم به، كما يتنعم أهل الجنة بالتسبيح، فإنهم يُلهَمون التسبيح كما يُلهم الناسُ في الدنيا النَّفَس، فهذا ليس من عمل التكليف الذي يطلب له ثواب منفصل، بل نفس هذا العمل هو من النعيم الذي تتنعم به الأنفس وتتلذذ به.

وقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جاريةٍ، وعلم يُنتفع به، وولد صالح يدعو له".

يريد به العمل الذي يكون له ثواب، ويتنعَّمون بذكره وتسبيحه، ويتنعمون بقراءة القرآن، ويُقال لقارئ القرآن: اقرأ وارق ورتِّل كما كنتَ ترتِّل في الدنيا، فإن مَنزلتك عند آخر آية تقرؤها، ويتنعَّمون بمخاطبتهم لربهم ومناجاته، وإن كانت هذه الأمور في الدنيا أعمالًا يترتب عليها الثواب، فهي في الآخرة أعمال يتنعم بها صاحبها أعظم من أكله وشربه ونكاحه، وهذه كلها أعمال أيضًا، والأكل والشرب والنكاح في الدنيا مما يؤمر به ويُثاب عليه مع النية الصالحة، وهو في الآخرة نفس الثواب الذي يتنعم به، والله أعلم.

وقد أنكر ابن التِّين كون الموتى يُصلُّون، وقد ردَّ على ذلك الشَّيخ الألباني كما في"أحكام الجنائز" (ص 272) فقال:"وقول ابن التين:"الموتى لا يُصلُّون"ليس بصحيح؛ لأنه لم يرد نصٌّ في الشَّرع بنفي ذلك، وهو من الأمور الغيبية التي لا ينبغي البَتُّ فيها إلا بنصٍّ، وذلك مفقود، بل قد جاء ما يُبطل إطلاقَ القَولِ به، وهو صلاة موسى عليه الصلاة والسلام في قبره كما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلةَ أُسريَ به، على ما رواه مسلم في"صحيحه"، وكذلك صلاة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - مُقتدين به في تلك الليلة، كما ثبت في"الصحيح"، بل ثبت عنه أنه قال:"الأنبياء أحياء في قبورهم يُصلُّون"."

(1) ) شنوءة: قبيلة من اليمن، ورجال هذه القبيلة متوسطون بين الخفة والسمن، والشنوءة في الأصل التباعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت