فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 54

* الردُّ على الفريق الأول الذين قالوا:"إن سؤال القبر خاص بالأمَّة المحمدية":

إن استدلالَكم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن هذه الأمة تُبْتَلى في قبورها ) )، وبقوله: (( أُوحي إلى أنكم تفتنون في قبوركم ) )، وأن هذا ظاهر في الاختصاص بهذه الأمة، وبقول الملكين للمقبور:"ما كنتَ تقول في هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول المؤمن: أشهد أنه عبد الله ورسوله"، وأن هذا خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم، وقولِه في الحديث الآخر: (( إنكم بي تُمتحنون، وعني تُسألون ) )لا يدل هذا على اختصاص السؤال بهذه الأمة دون سائر الأمم.

فإن قوله: (( إن هذه الأمة ) )، إما أن يراد به أمة الناس، كما قال تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأنعام: 38] ، وكل جنس من أجناس الحيوان يسمى أمة، وفي الحديث: (( لولا أن الكلابَ أمَّة مِن الأمم لأمرتُ بقتلِها ) ).

وفيه أيضًا: حديث النبي الذي قرصته نملة فأمر بقرية النمل فأُحرقت، فأوحى الله إليه:"من أجل أن قَرصتك نَملةٌ واحدة أَحرقت أُمَّة من الأمم تُسبح الله".

وإن كان المُراد به أمَّتَه - صلى الله عليه وسلم - الذي بُعِثَ فيهم، لم يكن فيه ما ينفي سؤال غيرهم من الأمم، بل قد يكون ذكرهم إخبارًا بأنهم مَسؤولون في قبورهم، وأن ذلك لا يختص بمَن قبلهم؛ لفضل هذه الأمة وشرفها على سائر الأمم.

وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (( أوحي إليَّ أنكم تُفتنون في قبوركم ) )، وكذلك إخباره عن قول الملكين: (( ما هذا الرَّجل الذي بُعث فيكم؟ ) )، هو إخبار لأمته بما تمتحن به في قبورها، والظاهر - والله أعلم - أن كل نبي مع أمته كذلك، وأنهم مُعذَّبون في قبورهم بعد السؤال لهم وإقامة الحجة عليهم، كما يُعذَّبون في الآخرة بعد السؤال وإقامة الحجة، والله - سبحانه وتعالى - أعلم"."

وقال أبو عمر بن عبدالبر في كتاب"التمهيد":

"والآثار الدالة تدل على أن الفتنة في القبر لا تكون إلا لمؤمن، أو منافق (من كان منسوبًا إلى أهل القبلة ودين الإسلام بظاهر الشهادة) ، وأما الكافر الجاحد المبطل فليس ممن يُسأل عن ربِّه ودينه ونبيِّه، وإنما يُسأل عن هذا أهلُ الإسلام، فيُثبِّت الله الذين آمنوا، ويرتاب المبطلون"؛ اهـ.

القول الثاني: أنَّ سؤال القبر وفتنَتَه عامٌّ للمُسلمين ولغيرهم (وهذا ما رجَّحه عبدُالحق الإشبيلي، وابن القيِّم، والقُرطبي، والسَّفَّاريني ... وغيرهم) ؛ (انظر"لوامع الأنوار البهية"للسفاريني: 2/ 10) ، ("التذكرة"للقرطبي: ص 147) ، وهذا القول هو الراجح، والذي تدل عليه الأدلة القرآنية والنبوية، قال تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت