فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 70

ولا شك أن تعبير الشارع بلفظ (كسرها) يدل على أن الطلاق مكروها وليس مباحا - بحسب الأصل -، فأقل ما يقال فيه هو كسر المرأة، فإن لم يكن الباعث عليه أمر شرعي، فهو مكروه، لكن إباحته - مع الكراهة - كان لأجل المصلحة الأولى بالرعاية التي راعتها أصول الشريعة الإسلامية، عملا بقاعدة (ارتكاب أخف الضررين) ، فليس بصحيح القول بأن أبغض الحلال عند الله الطلاق، فقد طلق نبي الله إسماعيل [1] ، كما قد طلق النبي صلى الله عليه وسلم [2] ، ولو كان الطلاق مبغوضا عند الله لما شرعه الله تعالى، ولما خاطب النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية، فالله لا يشرع من الحلال إلا ما هو حسن، ولكنه مع إباحته يظل مكروها لأجل هذه العلة وحسب، أي من جهة المرأة حيث يصيبها بالضر كما ثبت بالحديث.

كما أن توجيه الخطاب لشخص النبي صلى الله عليه وسلم لا يخلو من دلالة أخرى تعني أن الأمور التي سوف تتحدث عنها السورة بشأن كيفية إيقاع الطلاق وما يترتب عليه من آثار هي من الأمور التوقيفية، بمعنى أنه لا يجوز لولي الأمر أن يجتهد في شأنها، ولا يجوز للقوانين الوضعية أن تخالفها، فليس ثمة اجتهاد في مقدار العدة - مثلا - وإنما يجب الالتزام بما قدره الشرع وما حدده دونما حاجة للاجتهاد، أما ما لم يضع له الشرع حكما في هذا الخصوص، فإنه يسوغ للطرفين الاتفاق على ما يحقق مصلحتهما المعتبرة شرعا باعتبار أن عقد الزواج من العقود المبنية على التراضي والاتفاق بين الطرفين ما لم ينه الشارع عن ذلك، لقوله صلى الله عليه وسلم (المسلمون عند شروطهم) [3] ، وفي رواية (المسلمون عند شروطهم ما وافق الحق) [4] ، وفي رواية (المسلمون عند شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما) [5] ، كما

(1) رواه البخاري ج 3 ص 1227 رقم 3184

(2) رواه الحاكم في المستدرك ج 4 ص 16 رقم 6753، والطبراني في المعجم و البيهقي في شعب الإيمان، قال الشيخ الألباني: (حسن) انظر حديث رقم: 4351 في صحيح الجامع - الجامع الصغير ج 1 ص 780 رقم 7800

(3) رواه البخاري معلقا في صحيحه ج 8 ص 43 وصححه الألباني: غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام ج 1 ص 200 رقم 334 - السلسلة الصحيحة ج 7 ص 116 رقم 2915

(4) رواه الدارقطني ج 3 ص 27 رقم 99 والبيهقي في سننه الكبرى ج 7 ص 249 رقم 14213 وصححه الألباني: الجامع الصغيرج 1 ص 1167 رقم 11662

(5) رواه الترمذي ج 5 ص 199 رقم 1272، و رواه الدارقطني ج 3 ص 27 رقم 98 والبيهقي في سننه الكبرى ج 7 ص 249 رقم 14211 والطبراني في المعجم الكبير 17 ص 22 رقم 13718 وصححه الألباني من رواية الترمذي بلفظ (والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما) : صحيح وضعيف سنن الترمذي وابن ماجة ج 3 ص 352 رقم 1352.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت