وبالرجوع إلى الآية التي نحن بصددها نجد اسم الإشارة (تلك) يعود على ما سبقه من أحكام ذكرتها السورة بشأن الطلاق والعدة والمكوث في البيت .. الخ، فقد أكد المولى سبحانه أن هذه الأحكام السالف ذكرها لا يجوز مخالفتها، ولا الاجتهاد لاستخراج حكم بخلافها، فقد سماها المولى حدودا، وحدود الله تعالى لا يجوز الاقتراب منها، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه) [1] ، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الحوم حول محارم الله تعالى، وعليه لابد من تطبيق ما أمر الله به دون تأويل أو تلكؤ أو مماطلة أو تذرع بأعذار واهية، (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) .
بينت الآيات العلة من كون هذه الأحكام حقوقا لله تعالى، ولا يجوز تغليب حق العباد فيها على حقه سبحانه، فلا يجوز مخالفتها رغم أنها شرعت - في الظاهر - لأجل مصلحة العباد، فقد يظن البعض أنه لا غرو أن تخرج المطلقة المعتدة من بيت زوجها، ولا غرو أن يطلقها في حيضها ... الخ، أليس ذلك هو محض مصلحة راجعة لهم ولهن؟ فأجابت السورة بطريق الدلالة بأن عقد الزواج هو ميثاق الله الغليظ، وبكلمة الله تعالى تستحل الفروج، فلا يحق لأن من الزوجين أن ينهيا هذا العقد بطريقة مبتسرة تخالف شرع الله، فهو من العقود المؤبدة في الأصل، وإنما عليهما إن أرادا فصالا أن يلجا لذات المنهج الذي به استحل كلاهما بعضهما البعض، فالله تعالى شرع هذه الأحكام تخفيفا على عباده بحيث لا يكون الطلاق بمثابة السفك لدماء الأسرة الواحدة و تقطيع أشلائها بمجرد النطق به، وإنما جعل المولى سبحانه الفرصة سانحة للرجل بأن يراجع امرأته لعل - في الطلاق الرجعي - نفسه تهم لها فيراجعها، ولعل هذه الفترة -العدة- بمثابة مراجعة كل منهما لنفسه وللآخر، لعله يدرك ما أصابه وصاحبته فيتداركا ما وقعا فيه ويصلحا شأنهما معا، فالأسرة التي شرعا في إقامتها هي حق لله تعالى، وليس لهما أن يهدماها إلا بما يوافق منهج الله تعالى وإرادته الشرعية.
(1) رواه مسلم ج 3 ص 1219 رقم 1599