الذي قضت وقت من الزمن فيه معه - أو في غيره من البيوت، طالما لم تنقض عدتها منه، فالمغايرة في أسلوب الأمر (لا تخرجوهن من بيوتهن) ، وقوله (أسكنوهن) أفاد أن المطلقة رجعيا تظل في مسكن الزوجية حيث لا تزال الزوجية قائمة، ولا يزال ينسب المسكن لها، أما المبتوتة فليس لها بيت، فقد انقضت علاقتها بزوجها، فشملها الخطاب بقوله تعالى (أسكنوهن) ، ولذلك قال الشيخ ابن عثيمين في قوله تعالى (لاَ تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) ، هذه الجملة الأخيرة تمنع دخول البوائن في هذا العموم، ووجه المنع أن الأمر هو الرجعة، والبائن ليس لها رجعة [1] .
قال ابن الجزي (أمر الله بإسكان المطلقة طول العدة، فأما المطلقة غير المبتوتة فيجب لها على زوجها السكنى والنفقة باتفاق، وأما المبتوتة ففيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تحب لها السكنى دون النفقة، وهو مذهب مالك والشافعي، والثاني: يجب لها السكنى والنفقة وهو مذهب أبي حنيفة، والثالث: أنها ليس لها سكنى ولا نفقة، فحجة مالك حديث فاطمة بنت قيس، وهو أن زوجها طلقها البتة، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس لك عليه نفقة، فيوخذ من هذا أن لها السكنى دون النفقة، وحجة من أوجب لها السكنى قول عمر بن الخطاب: لا ندع آية من كتاب ربنا لقول امرأة، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: لها السكنى والنفقة، وحجة من لا يجعل لها لا سكنى ولا نفقة أن في بعض الروايات عنها أنها قالت: لم يجعل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم نفقة ولا سكنى) [2] ، ولا معارضة لحديث فاطمة بنت قيس في ذلك، لأن سكناها سقطتت بسبب فحش الكلام كما أشرنا إلى ذلك من قبل.
فيه احتراز من تنفيذ الأمر ظاهرا دون تحقيقه مضمونا، ذلك أن المطلق قد يعمد إلى إسكان المبتوتة فترة العدة في مسكن قريبا من حيث سكن ماديا واجتماعيا، لكنه يتعمد الإضرار بها فيه كقطع المياه عنها أو الكهرباء، أو أن يكون فيه مصدر للضوضاء والإزعاج أو يحملها بنفقات الصيانة بما يرهقها .... الخ، فتضطر المطلقة لمغادرته بسبب الضيق الذي استشعرته فيه، فيكون قد
(1) الشرح الممتع على زاد المستنقع ج 13 ص 466
(2) التسهيل لعلوم التنزيل لابن الجزي ج 1 ص 2405