فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 70

وإنما للتفرقة بين ما يقع ديانة وما يقع قضاءا، الأمر الذي قد يوقع المرأة في حرج متى طلقها زوجها ولم يشهد على طلاقها، فعند البعض يقع طلاقها ديانة ولا يقع قضاءا، وليس ذلك بصحيح، لأنه في أمور المعاملات ليس لنا إلا ظاهر الأحكام، والتكليف الشرعي في المعاملات بظاهرها لا ببواطنها، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم (إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذ فإنما أقطع له قطعة من النار) [1] ، ومن ثم فلا يلحقها إثم، ولا حرج علينا إن فعل ذلك، وإنما يلحقه هو لمخالفته السنة فضلا عن تشريعات ولي الأمر، الأمر الذي يحيلنا إلى المسألتين الثانية والثالثة.

المسألة الثالثة: محل الشهادة الرجعة أم الطلاق، أم كلاهما:

قال بعض العلماء أن قوله تعالى (وأشهدوا ذوي عدل منكم) ينصرف إلى الرجعة فقط لأن اللفظ سيق من أجله، ولا ينصرف إلى الطلاق لأنه ليس مقصودا في السياق بدلالة مباشرة، بيد أن الخطاب يشمل الطلاق من باب أولى، إذ كيف يشهد على رجعتها من لم يشهد طلاقها، بيد أن ثمة إشكالية في فهم دلالة الأمر (أشهدوا) حيث حمله البعض على الوجوب في شأن الرجعة دون الإشهاد، وحمله آخرون على الندب في كليهما، وأخرون حمله على الوجوب فيهما، والفهم الأخير هو ما نرجحه، ذلك أن الشهود لا يشهودون إلا على ما جاء خلاف الأصل، فعندما يستدعيهم الزوج للإشهاد على الرجعة يجب أن يكونوا عالمين بوقوع الطلاق أولا، فإذا لم يُعلم حال الزوجة بأنها مطلقة رجعيا من زوجها، فكيف يشهدون على رجعتها! كمن يشهد على أن فلانا قدم من السفر، وهو لم يعلم أنه قد سافر في الأصل، وإنما له أن يشهد على أنه لا يزال مقيما في هذا البلد دون أن يدعي سفره ولا رجوعه من السفر.

كذلك الحال لو لم يعلم الشهود أنه طلقها من قبل، ثم أراد أن يشهدهم على رجعتها، حيث يظل الظن عندهم - قبل استشهادهم - أنه لم يطلقها، فيتعذر عليهم أن يشهدوا على رجعتها ولم يشهدوا على طلاقها ولم يعلموا به، فعن عمران بن حصين"أنه سئل عن الرجل يطلق"

(1) رواه البخاري ج 21 ص 307 رقم 6452

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت