فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 70

الرجال، أما الآن فالمعتبر في العدالة مصلحة الشهر والتوثيق فتحل محل الرجال في زمن قل فيه الرجال، ويصدق ذلك بوجه خاص لو وقوع الزواج أو الطلاق أو الرجعة في بلد قل فيها المسلمون، وبخاصة الملتزمون، فلا علاج لهذه المشكلة غير التوثيق الرسمي وفقا لقوانين البلد حتى تتحقق العلانية، وينتفي معنى الأخدان.

وعليه فإذا ما أصدر ولي الأمر بتشريعاته الوضعية قانونا بوجوب توثيق الشهادة على الطلاق والرجعة بمكاتب الشهر العقاري، فإن ذلك يعد بمثابة إشهاد ذوي عدل متى ارتأى أهل العلم في بلد ما صحة توثيقهم، أما أن يعلق صحة الطلاق أو الرجعة على التوثيق، فإنه وإن كان موافقا لصريح الآية ويحقق مصلحة شرعية معتبرة في زمن فسدت فيه الزمم إلا أنه أثار خلافا واسعا عند من لا يعلق صحة الطلاق على الإشهاد، قال ابن قدامة (وليس للحاكم ان يرتب شهودا لا يقبل غيرهم) لأن الله تعالى قال (وأشهدوا ذوي عدل منكم) ولأن فيه إضرارا بالناس وتضيبقا عليهم لأن كثيرا من الوقائع التي يحتاج إلى البينة فيها تقع عند غير المرتبين فمتى ادعى إنسان شهادة غير المرتبين وجب على الحاكم سماع بينته والنظر في عدالة شاهديه ولا يجوز ردهما بكونهما من غير المرتبين) [1] .

وما ذكره ابن قدامة في هذا الخصوص محمول على مظنة التضييق على الناس في زمنهم حيث العدول كثر، وإن دعت الحاجة لأن يسمي الحاكم أناسا مرتبين للشهادة، بيد أن الحاجة في زمننا إلى تعيين المرتبين أكثر، وقد أشار إليها فقال أيضا (لكن له أن يرتب شهودا يشهدهم الناس، فيستغنون بإشهادهم عن تعديلهم، ويستغني الحاكم عن الكشف عن أحوالهم، فيكون فيه تخفيف من وجه، ويكونون أيضا يزكون من عرفوا عدالته من غيرهم إذا شهد) [2] ،ويستفاد مما تقدم أن الفقهاء أرادوا تسوية شهادة العدول متى ثبتت بالشهر الرسمي، بحيث يقوم أحدهما مقام الآخر، ومن ذلك كذلك يمكن عند أخذ الإمام بالرأي الفقهي القائل بوجوب الشهادة في الطلاق والرجعة وعدم صحتهما بدونه، أن يجعل صحة الطلاق والرجعة بالوثائق الرسمية سدا لذريعة فساد الذمم، بيد أن المحكمة الدستورية في مصر ارتأت حرجا في ذلك، لم يكن مبررا،

(1) الشرح الكبير ج 11 ص 445

(2) المغني لابن قدامة ج 23 رقم 15

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت