قال الفقهاء (وتعتبر عدالة البينة ظاهرا وباطنا"لقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} إلا في عقد نكاح فتكفي العدالة ظاهرا، ومن جهلت عدالته سأل"القاضي"عنه"ممن له به خبرة باطنة بصحبة أو معاملة ونحوهما وتقدم بينة جرح على تعديل وتعديل الخصم وحده أو تصديقه للشاهد تعديل له"وإن علم"القاضي"عدالته"أي: عدالة الشاهدة"عمل بها"، ولم يحتج إلى التزكية وكذا لو علم فسقه"وإن جرح الخصم الشهود كلف البينة به"أي: بالجرح ولا بد من بيان سببه عن رؤية أو استفاضة، ... وإن جهل"القاضي"حال البينة طلب من المدعي تزكيتهم"لتثبت عدالتهم فيحكم له"ويكفي فيها"أي: في التزكية عدلان يشهدان بعدالته أي: بعدالة الشاهد) [1] ."
ونحن في زمن الفتنة بالكاد نعرف رجلا يشتهر بالعدالة، قال القاضي منذر في التزكية: (اعلم إنَّ العدالة من أشد الأشياء تفاوتًا وتباينًا ومتى حصلت ذلك عرفت حالة الشهود لأن بين عدالة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وعدالة التابعيين رضي الله عنهم فوتًا عظيمًا وتباينًا شديدًا وبين عدالة أهل زماننا وعدالة أولئك مثل ما بين السماء والأرض؛ وعدالة أهل زماننا على ما هي عليه بعيدة التباين أيضًا. والأصل في هذا عندي، والله الموفق، أنَّ من كان الخير أغلب عليه من الشر، وكان متنزها عن الكبائر فواجب أن تعمل شهادته، فإنَّ الله تعالى قد أخبرنا بنص الكتاب أنَّ من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية) [2] ، وسدا لهذه الذريعة، وتحقيقا للمصلحة اختص ولي الأمر جماعة من الناس لهم صفة - الموظف العام - يقومون على شهر عقود الزواج وأوراق الطلاق و الرجعة لكي يحتج بها أمام الناس، وهذه الجماعة - مصلحة الشهر والتوثيق - تلتزم بأعمالها وفقا لقوانين وإجراءات محددة، وتراقب أعمالها جهات تفتيش، وجهات رقابية مستقلة عن الشهر العقاري ذاته، وذلك لضمان سير عملية التوثيق والشهر دون أن يتطرق للاحتمال وقوع غش أو محسوبية أو تدليس، وذلك كله من باب تحقيق مناط الأحكام حتى لو تغيرت الأسماء، ففي الزمن الماضي كان المعتبر في العدالة النظر في
(1) منصور بن يونس بن إدريس البهوتي - الروض المربع في شرح زاد المستنقع ج 1 ص 467 - دار الفكر للطباعة والنشر بيروت
(2) أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض ج 1 ص 205 لمؤلفه المقري.