فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 70

وقال ابن رشد (وسبب الخلاف معارضة القياس للظاهر وذلك أن ظاهر قوله تعالى {وأشهدوا ذوي عدل منكم} يقتضي الوجوب وتشبيه هذا الحق بسائر الحقوق التي يقبضها الإنسان يقتضي أن لا يجب الإشهاد فكان الجمع بين القياس والآية حمل الآية على الندب) [1] .

ويرد علي هذا القول بأن قياس حق الله في إثبات الطلاق على إثبات حقوق الناس في المعاملات التجارية هو قياس مع الفارق، فلا يصح، ألم تر أن الشهادة في الزواج ركن فيه لا يصح إلا بها، فكان قياسها على الزواج من باب أولى، فكما أنها شرط صحة في استحلال الفروج فهي كذلك شرط صحة في براءة الفروج من الملك للمطلِّق، وحله للنكاح مستقبلا.

ثالثا: رأي الذين يستحبون الإشهاد على الطلاق ولا يوجبونه

ذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن الإشهاد ليس شرطًا لصحَّة الطَّلاق، مع اتفاقهم على أن من السنة الإشهاد، لذلك فقد أوَّلُوا الآية بأن الأمر للندب والاستحباب وليس للوجوب، ونقلوا في ذلك إجماعا، قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: وقال تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} [الطلاق: 2] ، فأمرَ بالإشْهاد على الرَّجعة، والإشهاد عليْها مأمورٌ به باتِّفاق الأمَّة، قيل: أمر إيجاب، وقيل: أمر استحباب، وقد ظنَّ بعض النَّاس أنَّ الإشهاد هو الطَّلاق، وظنَّ أنَّ الطَّلاق الذي لا يُشْهَد عليه لا يقع، وهذا خِلاف الإجماع، وخِلاف الكتاب والسنَّة، ولم يقل أحدٌ من العلماء المشْهورين به؛ فإنَّ الطَّلاق أذن فيه أوَّلًا، ولم يأمر فيه بالإشهاد، وإنَّما أمر بالإشْهاد حين قال: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: 2] ، والمراد هنا بالمفارقة: تخْلية سبيلِها إذا قضت العدَّة، وهذا ليْس بطلاق ولا برجعةٍ ولا نكاح، والإشهاد في هذا باتِّفاق المسلمين، فعُلم أنَّ الإشْهاد إنَّما هو على الرجعة"، ثم قال"ومن حكمة ذلك: أنه قد يطلقها ويرتجعها فيزين له الشيطان كتمان ذلك حتى يطلقها بعد ذلك طلاقا محرما ولا يدري أحد فتكون معه حراما فأمر الله أن يشهد على الرجعة ليظهر أنه قد وقعت به طلقة كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم من وجد اللقطة أن يشهد عليها لئلا يزين

(1) بداية المجتهد ج 1 ص 807

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت