الشيطان كتمان اللقطة وهذا بخلاف الطلاق فإنه إذا طلقها ولم يراجعها بل خلى سبيلها فإنه يظهر للناس أنها ليست امرأته بل هي مطلقة بخلاف ما إذا بقيت زوجة عنده فإنه لا يدري الناس أطلقها أم لم يطلقها" [1] ."
فالناظر في عبارات شيخ الإسلام رحمه الله (علم أن الإشهاد هو على الرجعة) ، (فيزين له الشيطان كتمان ذلك) ، (بخلاف الطلاق فإنه إذا طلقها ولم يراجعها بل خلى سبيلها فإنه يظهر للناس أنها ليست امرأته) ، يتأكد من أنه يتحدث عن ظروف في غاية الاختلاف عما نعيشه الآن، فهو يوجب الإشهاد على الرجعة لعلة حفظ حقوق الزوجة من التجاحد، وتلك هي ذات العلة في الطلاق من باب أولى في زمننا، وانظر إلى قوله (خلاف الإجماع وخلاف الكتاب والسنة وهذا لم يقل به أحد العلماء المشهورين) فهذه العبارات تنم عن شيء من التحيز لرأيه وله الحق في ذلك، بيد أن الكتاب لم يأت به دليل على عدم الوجوب، بل ظاهر النص يوجبه، وإنما الاحتمال يتطرق إلى الندب، كما أن السنة خلت من دليل يصرح بعدم الوجوب، وإنما شهدت الأدلة على اعتبار الشهادة سواء بالندب أو الوجوب بالنسبة للطلاق والرجعة، وأما قوله أن ذلك يخالف الإجماع وقول العلماء المشهورين فهذا ينصرف إلى ما قبل زمن ابن حزم باعتباره إجماع سكوتي، وليس ذلك بحجة عند كثير من الأصوليين الذي لا يعتبرون الإجماع السكوتي حجة، إذ من المحتمل أن المسألة لم تثر في زمنهم، ولم يظهر التجاحد لإيجاب ذلك.
كذلك قال الشوكاني (ومن الأدلة على عدم الوجوب - الإشهاد في الرجعة - أنه قد وقع الاجماع على عدم وجوب الاشهاد في الطلاق كما حكاه الموزعي في تيسير البيان والرجعة قرينته فلا يجب فيها كما لا يجب فيه والاحتجاج بالأثر المذكور في الباب لا يصلح للاحتجاج لأنه قول صحابي في أمر من مسارح الاجتهاد، وما كان كذلك فليس بحجة لولا ما وقع من قوله طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة) [2] ، ويرد على دعوى الإجماع هذه بأنه إجماع متوهم، إذ لا مستند له من جهة، ومن جهة أخرى فإن قول ابن حزم ينفي الإجماع على عدم اشتراط الصحة لوقوع الطلاق، وقول الشافعي وغيره مما ذكر ينفي الإجماع عن صرف الأمر
(1) الفتاوى الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية ج 3 ص 292
(2) نيل الأوطار ج 7 ص 25