فقد جاء في نهج البلاغة: ولكنا أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج، والشبهة والتأويل [1] .
ومن نافلة القول أنه لم ترد عبارة واحدة عن أبي الحسن - رضي الله عنه - في تكفير أهل الشام، وخاصة في حقِّ معاوية - رضي الله عنه -، وعلى عكس عقيدة من يجيز الطعن واللعن، فقد سمع عليٌ قومًا من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفين فقال: (إني أكره أن تكونوا سبابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبِّكم إيّاهم اللهم أحقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم) [2] .
وكذلك لم تثبت أية رواية صحيحة بأن معاوية - رضي الله عنه - أمرَ أهل الشام بسبّ علي - رضي الله عنه -، ولا يمكن أن يكون، بل كلُّ ما جاءت من روايات فهي باطلة.
وسل كلَّ لبيب اليوم، هل قرأت رواية صحيحة أو سمعتَ أن أهل الشام كانوا يسبّون عليًا وذريته الطاهرة، أم على العكس في أنهم كانوا يجلونهم أيما إجلال، بخلاف الرافضة الذين يسبون، لا بل يكفِّرون معاوية ووالده وغيرهم من الصحابة!.
لقد سمى سيدنا علي - رضي الله عنه - خصومه إخوانًا، وقوفًا عند النَّصِّ القرآني، قال الله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فإنْ فَاءَتْ فَأصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأقْسِطُوا إنَّ اللهَ يُحبُ المُقْسِطِينَ - إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون} [3] .
قال ابن حزم: (المجتهدُ المخطئ إذا قاتلَ على ما يرى أنُّه الحق؛ قاصدًا إلى الله تعلى نيته غير عالم بأنه مخطئ فهو من الفئة الباغية، وإن كان مأجورًا، ولا حدَّ عليه إذا ترك القتال ولا قود، وأما إذا قاتلَ وهو يدري أنه مخطئ، فهذا محارب تلزمه المحاربة والقود، وهذا يفسق ويخرج لا المخطئ، وبيان ذلك قول الله تعالى: {وإنْ طَائفَتَان مِنَ الْمُؤمِنِينَ} الآية، فهذا نصُّ قولنا دون تكلف تأويل، ولا زوال عن موجب ظاهر، وقد سماهم الله عزَّ وجل مؤمنين باغين، بعضهم إخوة بعضٍ في حين قتالهم،
(1) (( نهج البلاغة للإمام علي - رضي الله عنه -، تحقيق: د. صبري إبراهيم السيد، جامعة عين شمس - جامعة قطر - تقديم الأستاذ عبد السلام محمد هارون - دار الثقافة - قطر - الدوحة ط بلا، ص 163.
المصدر نفسه، ص 189.
(2) (( المصدر نفسه، ص 189.
(3) (( سورة الحجرات الآية 9 - 10