أئمتنا: ليس البغي اسم ذم، وقال الشافعي - رضي الله عنه: أخذت أحكام قتال البغاة مما فعله علي لما قاتل معاوية ثم ما ذكر عن علي صريح أيضًا في قوله عز من قائل {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} يشمل معاوية وعليًا وأتباعهما).
وقال القرطبي: (وقال الإمام أبو المعالي في كتاب الإرشاد، فصل علي - رضي الله عنه -، كان إمامًا حقًا في توليته، ومقاتلوه بغاة، وحسن الظن بهم يقتضي أن يظن بهم قصد الخير وإن أخطئوه) [1] .
فمن هذا يفهم أن معنى البغاة لا يلزم الإثم، لأن معاوية كان مجتهدًا متأولًا، وقد أخطأ في تصويبه، فله بهذا الاجتهاد الخاطئ أجر واحد.
ويدل على أنه غير آثم قول الله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [2] .
وكذلك قول الإمام علي - رضي الله عنه: (قتلاي وقتلاهم في الجنة) [3] ، فليس كل باغٍ آثمًا، فإنه ليس من شرط البغي الإثم، فإذا كان القتال الذي حدث بينهما ليس بواجب ولا مستحب، وامتناع كثير من الصحابة عن القتال كأمثال سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الله بن عامر، ومحمد بن مسلمة، وأنس بن مالك، وأبو بكرة الثقفي، والأحنف بن قيس، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو موسى الأشعري، وأبو مسعود الأنصاري، والوليد بن عقبة، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبو برزة الأسلمي، وأهبان بن صيفي، وسلمة بن الأكوع، وهم الذين بايعوا عليًا، ألاَ يدل هذا على أن نوع القتال الذي دار بينهما قتال فتنة ليس غير، وقتال الفتنة إنما يحدث باجتهاد من كلا الطرفين فيقع به ما لا يتوقع من الكوارث، ثم إن قتال البغاة لأجل إرجاعهم إلى الصف المسلم، هذا ما قرره الفقهاء، وقد تقدم بهذا الخصوص قول الإمام ابن تيمية (رحمه الله) .
وعن زياد بن الحارث قال: كنت إلى جانب عمار بن ياسر بصفين وركبتي تمس ركبته، فقال رجال: كفر أهل الشام، فقال عمار: لا تقولوا ذلك، نبينا ونبيهم واحد، وقبلتنا وقبلتهم واحدة، ولكنهم قوم مفتونون جاروا عن الحق، فحق علينا أن نقاتلهم حتى يرجعوا إليه [4] .
(1) (( ينظر: التذكرة: 2/ 223.
(2) (( سورة الحُجرات الآية(9) .
(3) (( ذكر الخبر في صفحة( ... ) .
(4) (( ينظر: مصنف ابن أبي شيبة: 7/ 547 برقم(37841) .