والقلب والعقل، والله لئن أحدثتَ شيئًا لأسْعَيَّنَ في قتلك، ثم سار زياد إلى الكوفة، فبلغه أن حُجرًا وأصحابه أنكروا على نائبه بالكوفة - وهو عمرو بن حريث - وحصبوه وهو على المنبر، وحُجر جالس وحوله في المسجد في الحديد والسلاح، فخطب زياد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد: فإن غب البغي وخيم، وإن هؤلاء أمنوني فاجترؤوا عليَّ، وأيم الله لئن لم تستقيموا لأداوينّكم، ثم قال: ما أنا بشيءٍ إن لم أمنع ساحة الكوفة من حُجر وأصحابه وأدعه نكالًا لمن بعده، ويل أمك يا حجر، سقط بك العشاء سرحان، وجعل زياد يقول في خطبته: إن من حق أمير المؤمنين - يعني كذا وكذا - فأخذ حُجر كفًا حصباء فحصبه، وقال: كذبت، عليك لعنة الله، فانحدر زياد فصلى، ثم دخل القصر واستحضر حُجرًا، ويقال: إن زيادًا لما خطب طَوَّلَ الخطبة وأخر الصلاة، فقال له حُجر: الصلاة، فمضى في خطبته، فلما خشي فوت الصلاة عمد إلى كفٍ من حصباء ونادى الصلاة، وثار الناس معه، فلما رأى ذلك زياد نزل فصلى بالناس، فلما انصرف من صلاته كتب إلى معاوية في أمره وكثر عليه، فكتب إليه معاوية أن شُده في الحديد واحمله إلي، فعند ذلك قيده زياد وسجنه عشرة أيام وبعث به إلى معاوية [1] .
وأخرج ابن جرير الطبري بسنده عن محمد بن سيرين [2] قال: (خطب زياد يومًا في الجمعة، فأطال الخطبة وأخر الصلاة، فقال له حجر بن عدي: الصلاة، فمضى في خطبته، ثم قال: الصلاة، فمضى في خطبته، فلما خشي حجر فوت الصلاة ضرب بيده إلى كفٍ من الحصى، وثار إلى الصلاة وثار الناس معه، فلما رأى ذلك زياد نزل فصلى بالناس، فلما فرغ من صلاته كتب إلى معاوية في أمره، وكثَّر عليه. فكتب إليه معاوية أن شده في الحديد ثم احمله إلي. فلما أن جاء كتاب معاوية أراد قوم حجر أن يمنعوه، فقال: لا، ولكن سمع وطاعة، فشد في الحديد، ثم حمل إلى معاوية، فلما دخل عليه قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال له معاوية: أمير المؤمنين؟ أما والله لا أقيلك ولا أستقيلك. أخرجوه فاضربوا عنقه. فأخرج من عنده، فقال حجر للذين يلون أمره: دعوني حتى أصلي ركعتين، فقالوا: صلِّ، فصلى ركعتين خفف فيهما، ثم قال: لولا أن تظنوا بي غير الذي أنا عليه لأحببت أن تكونا أطول مما كانتا، ولئن لم يكن فيما مضى من الصلاة خير فما في هاتين خير .. ) [3] .
(1) (( هذا الخبر ذكر في(البداية والنهاية) : 8/ 442، والسير: 3/ 464.
(2) (( أورده ابن جرير عن علي بن حسن(مقبول) ، عن مسلم الجرمي (مجهول) عن مخلد بن الحسن (مقبول) عن هشام بن عروة (ثقة ربما دلس) عن محمد بن سيرين (ثقة ثبت) وهو أقرب الإسناد إلى الصحة. انظر: معاوية بن أبي سفيان، منير محمد الغضبان، ص 365.
(3) (( انظر: التاريخ لابن جرير الطبري: 3/ 220.