فهؤلاء الثلاثة هم من فضلاء الناس ابن عمر وابن عباس وابن الحنفية، لم ينكروا هذه البيعة، وأنهم بايعوا وعقدوا له والتزموا ما التزم الناس، ودخل المسلمون فيما دخلوا فيه، وحرموا على أنفسهم أن يخرجوا على هذا أو ينقضوه.
مما تقدم يتبين لنا أن معاوية - رضي الله عنه - لم يفرض فكرة تنصيب يزيد وليًا للعهد من بعده حتى استشار كبار الصحابة رضوان الله عليهم، لأنه يعلم أن الأمر يجب أن يؤول إلى الأمة لتقرر تنصيبه من عدمه، حيث كان باستطاعته أن يفرضها عليهم ولا حاجة إلى استشارتهم والاعتماد على رأيهم.
وفكرة ولاية العهد لم تكن تخطر ببال معاوية لولا أن الحسن بن علي بن أبي طالب هو الذي اقترحها عندما تنازل بالخلافة لمعاوية حيث طلب منه أن يكون وليًا للعهد من بعده.
فقد روى ابن شوذب أنه قال: (سار الحسن يطلب الشام وأقبل معاوية في أهل الشام، فالتقوا، فكَرِه الحسن القتال وبايع معاوية على أن جعل له العهد بالخلافة من بعده، فكان أصحاب الحسن يقولون له: يا عار المؤمنين، فيقول: العار خير من النار) [1] .
لقد كان معاوية - رضي الله عنه - يخشى وقوع الفتنة في المسلمين كما وقعت من قبل فيحدث بينهم خلاف، أو قتال، فمعاوية رجل الحكمة والوحدة، فهو فطحل في حل كل نزاع كما أشار إلى ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فعن ابن أبي الدنيا أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: إياكم والفرقة بعدي، فان فعلتم، فاعلموا أن معاوية بالشام، فإذا وكلتم إلى رأيكم كيف يستبزها منكم [2] .
فالذي يهم ولاة المسلمين الصالحين أن يكون بعدهم في إدارة الحكم ما ينفع الناس فيعهدون بالأمر إلى من يجدون فيه الخير، وكما تقدم فأن الخليفة الراشد الصديق - رضي الله عنه - عهد بالخلافة لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وبايعه الناس على ذلك، وتنازل الحسن بن علي - رضي الله عنه - لمعاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - وسمي هذا العام بعام الجماعة، وعهد معاوية - رضي الله عنه - لولده يزيد وبايعه الناس عليه، وأيضًا عهد سليمان بن عبد الملك لعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى وكان فيه الخير الكثير للأمة، وعهد عمر بن عبد العزيز الولاية ليزيد بن عبد الملك حيث قال في وصيته له: (فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلاَّ هو، أما بعد: فإني دنف [3] من وجعي وقد
(1) (( ذكره الحافظ في(الفتح) : 13/ 56 ونسبه لابن أبي خيثمة.
(2) (( انظر: الإصابة: 3/ 433.
(3) (( دنف: المرض، انظر: مختار الصحاح مادة(دنف) ص 218.