الصفحة 105 من 214

إن الفرق الشاسع بين المعلومات التي تحصل عليها القوى الثائرة ومعلومات الجيش النظامي، هو من أهم موائز حرب الغوار. يضطر الجيش النظامي أن يجوب مناطق مناوئة له إطلاقًا، لا يلقى فيها إلاَّ صمت الفلاحين المر، بينما تعتد تشكيلة الغوار بصديق في كل بيت، إن لم يكن في صفوفها أحد أعضاء الأسرة، وتتداول الأنباء باستمرار خلال جملة ارتباطاتها، حتى الأركان العامة أو مركز قيادة الغوار في المنطقة.

عندما يتوغل العدو في أرض قد جاهرت بالثورة، حيث انضوى الفلاحون كافة إلى قضية الشعب، تنشأ مسألة بالغة الخطورة. يحاول معظم الفلاحين أن يفروا مع الجيش الشعبي، مخلِّفين أطفالهم ومشاغلهم، ويحاول غيرهم اصطحاب عيالهم بقضِّها وقضيضها، وأخيرًا يمكث غيرهم مكانه بانتظار الأحداث. إن أبلغ نتائج توغل العدو هو زج أُسَر كثيرة في وضع صعب، إن لم يكن يائسًًا. ينبغي إسداء الحد الأقصى من الدعم لهم، لكنه ينبغي تحذيرهم أيضًا من أن الفرار صوب مناطق غير آهلة، بعيدًا عن أماكن التموين المعتادة، يعرضهم بالتأكيد إلى اللِزَن [1] .

لا يسوغ الحديث عن"نمط من القمع"من جانب أعداء الشعب: ففي كل مكان، يعمل أعداء الشعب تبعًا للظروف النوعية من تاريخية واجتماعية واقتصادية، على نحو يزداد أو يقل إجرامًا، وإن كانت طرائق القمع العامة متماثلة على الدوام. ثمة أماكن لا يستثير فيها فرار الرجل إلى منطقة الغوار، مخلفًا أسرته في البيت، رد فعل كبير. بَيْدَ أن هذا الفرار كاف، في أماكن أخرى، لمصادرة أرزاقه وإحراقها وللتسبب بقتل الأسرة كلها. لذا فمن الطبيعي أن يتم تنظيم الفلاحين الذين سوف يتأثرون بتقدم العدو، على خير وجه، تبعًا لما يعرف عن قواعد الحرب في هذه المنطقة بالذات.

(1) اللِزْن، ج لَزْنة: الشدة والضيق من جوع أو برد أو خوف .. إلخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت