الصفحة 104 من 214

إن عمل الذين لا يقاتلون مباشرة هام جدًا في هذا النمط من الحرب. لقد أشرنا آنفًا إلى بعض مميزات الارتباط في أماكن القتال، إلاَّ أن الارتباط هو مؤسسة تقوم داخل تنظيم الغوارة. وينبغي بناء الارتباطات حتى أبعد جماعة من المغاوير، بحيث تستطيع الانتقال دائمًا من نقطة لأخرى بأسرع وسيلة معروفة في المنطقة، هذا حتى في الأرض المجافية لنا. لا يرد مثلًا، لغوارة تعمل في أرض مجافية، أن تدع جمل موصلات حديثة قائمة، كالبرق، والطرقات .. إلخ، عدا بعض الجمل اللاسلكية التي يتعذر تخريبها والتي لا تفيد إلاَّ حاميات عسكرية قوية تذود عنها. وهي بأية حالة، لو سقطت في أيدي الغوارة، لاحتاجت إلى تغيير الرموز والتوترات، وهو عمل على جانب من الصعوبة في بعض الأحيان.

نقول ونحن نتذكر تجربتنا الخاصة خلال حرب التحرر: إن الاختبار اليومي الأمين عن كافة نشاطات العدو يُستكمل بالاختبار الذي تؤديه ارتباطاتنا. ينبغي درس جملة المخابرات درسًا كثيرًا، واختيار رجالها بأكبر عناية. فلا يمكن تقدير مبلغ الأذى الذي يستطيع أن يؤتيه عميل مزدوج. وإذا لم نذهب إلى هذا الحد، فإن اختبارًا مبالغًا فيه، يستعظم الخطر أو يستصغره، يمكن أن تنجم عنه متاعب جمة: ويندر أن يستصغر الخطر، إذ أن ميل الفلاح العام يحدو به إلى تضخيم الأنباء. إن الذهنية الجبتية [1] التي تستحضر أشباحًا وكائنات غيبية شتى هي ذاتها التي تختلق جيوشًا جبارة أيضًا عندما لا يعدو الأمر فصيلة أو دورية عدوة. كما ينبغي أن يبدو الجاسوس محايدًا قدر الإمكان، وألاّ يظهر في عين العدو، على أية صلة بقوى التحرر. ليست هذه المهمة صعبة بقدر ما تتراءى، ويصادف أناس كثيرون، تجار أو أصحاب مهن حرة وحتى رجال دين، يستطيعون الإسهام فيها وتقديم المعلومات.

(1) الجبْت: المعتقد الخُرافي الذي لا صحة له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت